قائمة الموقع

رائد عبد ربه عاشور.. صُدم بقصف منزلَيْ شقيقيه ثم عاد لانتشال الشهداء

2026-08-30T11:57:00+03:00
بأيدٍ عارية وتحت النار.. رجال الدفاع المدني يواصلون انتشال ضحايا غزة
فلسطين أون لاين

كان العقيد رائد عبد ربه عاشور يقيم في مقر الدفاع المدني بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، إقامة شبه دائمة، بعدما تحولت حرب الإبادة الإسرائيلية إلى سلسلة متواصلة من البلاغات عن منازل قصفها جيش الاحتلال الإسرائيلي، ودفن أسر كاملة تحت الأنقاض.

في ظهيرة يوم 9 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، خرج عاشور مع طاقمه إلى موقع تعرض للقصف، غير مدرك أن الطريق إلى الضحايا سيمر هذه المرة من أمام منزل شقيقه.

وبينما كان ينظر من نافذة مركبة الدفاع المدني، لمح المنزل الذي يعرفه جيدًا، أربعة طوابق تحولت إلى كومة من الركام، وتحتها نحو 15 شهيدًا، كان شقيقه موسى عبد ربه عاشور وأفراد عائلته بين الضحايا.

لم تكن تلك الصدمة الأولى، في ذات الحدث، إذ اكتشف أن زوج ابنته، الذي غادر منزل العائلة في ذلك اليوم، استشهد تحت الركام.

يقول عاشور لصحيفة "فلسطين": راح الابن، وراح الأحفاد، وراح زوج ابنتي"، قبل أن يضيف أن "شقيقه الآخر إسماعيل عاشور، فقد حياته أيضًا في استهداف منزله بعد أربعة أسابيع".

كان المشهد الشخصي يلتقي بالمشهد المهني في لحظة واحدة؛ الرجل الذي جاء لينقذ الضحايا وجد نفسه أمام ضحايا من عائلته، لكنه لم يكن يملك رفاهية التوقف، كان عليه أن يواصل البحث وانتشال الشهداء.

نزول إلى الميدان

يعمل عاشور في الدفاع المدني منذ أكثر من 30 عامًا، وكان قبل الحرب مدير مركز تل السلطان في رفح، وعندما اندلعت الحرب، اختار التنحي عن مهمته الإدارية والنزول إلى الميدان، مستندًا إلى خبرته في التعامل مع انهيارات المباني والركام وتقييم سلامة المنشآت.

وكُلّف عاشور بمهام انتشال الشهداء والمصابين من تحت المباني المستهدفة، وأصبح شبه مقيم في الدفاع المدني بسبب كثافة القصف الإسرائيلي والبلاغات.


 

يتذكر من بدايات الحرب مجزرة عائلة أبو قوطة في رفح، التي أسفرت عن استشهاد نحو 26 شخصًا، لكنه يقول: إن تلك المجزرة لم تكن سوى واحدة من عشرات المشاهد التي توالت أمامه.

وأضاف "كانت المهام كثيفة جدًا، والمشاهد أكثر من أن تُروى"، موضحًا أن الحرب وضعت رجال الدفاع المدني أمام حجم من الدمار لم يسبق أن واجهوه طوال سنوات خدمتهم.

كانت المشكلة الأكبر في المعدات، فالجرافات والآليات الثقيلة، التي يفترض أن تكون الأداة الأساسية في التعامل مع انهيارات المباني، لم تكن متوفرة بالقدر الكافي، بينما اضطر رجال الإنقاذ إلى استخدام الشاكوش والمجرفة وغيرها من الأدوات اليدوية.

يقول عاشور: "أغلب شغلنا كان يدويًا بحتًا"، وما كان يمكن إنجازه خلال ثلاث أو أربع ساعات بالمعدات الثقيلة كان يستغرق يومًا كاملًا، وأحيانًا كانت عمليات الانتشال تمتد من الصباح حتى صباح اليوم التالي.

تحت القصف

ولم يكن نقص المعدات وحده ما يهدد حياة رجال الدفاع المدني؛ فالذهاب إلى مواقع الاستهداف كان يعني الدخول إلى مناطق قد تتعرض للقصف مجددًا.

يؤكد عاشور: أن الطواقم لم تكن تتحرك بضمانات أمنية أو تنسيق يضمن سلامتها، خلافًا لما يعتقده البعض، ويقول: "كنا نخرج على مسؤوليتنا الشخصية.

في إحدى المهمات بمنطقة تل السلطان، خرج عاشور وطاقمه لانتشال شهداء ومصابين، قبل أن تتعرض المنطقة لقذيفتي دبابة مباشرتيْن حطمتا سيارة الإسعاف، وخرج أفراد الطاقم وسط الغبار والدخان بعد إنجاز المهمة.

كان الخطر حاضرًا في كل خطوة، ولذلك أصبح الوداع جزءًا من الاستعداد للعمل، يقول عاشور إن رجال الدفاع المدني كانوا قبل كل مهمة "يستودعون أولادهم وأهلهم وأصدقاءهم"، لأن أحدًا لم يكن يعرف إن كان سيعود أم لا.


 

وفي مهمة أخرى، كان عاشور تحت سقف يحاول انتشال شهيدة، قبل أن ينهار السقف فوق رأسه، فأصيب وسالت دماؤه قبل أن يخرجه زملاؤه إلى سيارة الإسعاف، لكن عندما طلبوا نقله إلى المستشفى رفض.

يقول: "أقسمت بالله ما أطلع من المكان إلا بعد إنجاز المهمة"، ويوضح أنه عاد إلى الركام واستكمل عملية الانتشال، وبعد إتمام المهمة توجه إلى مركز طبي لعلاج إصابته.

ثلاثة أيام بلا نوم

لم يكن الجسد قادرًا دائمًا على مجاراة حجم الكارثة التي حلّت بالمواطنين من جراء القصف الإسرائيلي، ويروي أنه في إحدى المرات واصل العمل ثلاثة أيام متتالية تقريبًا من دون نوم أو طعام كافٍ. وبعد خروجه من تحت أحد المباني، بعدما أنجز نحو ثلثي المهمة، لم يعد قادرًا على الوقوف، انهار وسقط على وجهه، ونُقل إلى المستشفى لتلقي العلاج.

لكن أصعب ما واجهه لم يكن التعب وحده، بل العجز عن الوصول إلى أشخاص كان يعرف أنهم تحت الركام.


 

يتذكر حالة لرجل كان محاصرًا في منطقة تسيطر عليها الطائرات المسيّرة والدبابات، حاول رجال الدفاع المدني الوصول إليه، لكن شدة الخطر حالت دون ذلك.

بعد فترة، وعندما هدأت الأوضاع، عاد عاشور إلى المكان، لم يجد جثمانًا كاملًا، وجد ما تبقى منه؛ جمجمة وأضلع الصدر وعظام الساقين، فجمع الرفات ووضعه في كيس الموتى.

حتى آخر نفس

وبالنسبة لعاشور، لم يقتصر الفقد على أفراد العائلة والضحايا الذين حاولوا إنقاذهم، فقد عاش رجال الدفاع المدني أيضًا فقدان زملائهم.

يقول عاشور: إن "أكثر من مئة من رجال الدفاع المدني استشهدوا في قطاع غزة، وإن رفح فقدت عددًا من عناصرها في أثناء أداء مهامهم أو داخل منازلهم".

ويشير إلى استهداف طاقمي إسعاف وإنقاذ خلال خروجهما في مهمة إنسانية، في إشارة إلى مجزرة المسعفين قرب تل السلطان، مؤكدًا أن أفراد الدفاع المدني كانوا "مشاريع شهادة" في كل مهمة.

كان فقدان الزملاء مؤلمًا، لأنهم لم يكونوا مجرد رفاق عمل، بل أشخاصًا عاشوا معًا الخطر وتقاسموا تفاصيل الحياة اليومية، ومع ذلك، لم يسمح عاشور لهذا الألم بأن يتحول إلى سبب للتوقف.


 

ويقول: "لن نتخلى عن خدمة المواطنين في جميع الأحوال".

وبالرغم من شح الرواتب والمساعدات والمعدات، يؤكد أن رجال الدفاع المدني سيواصلون العمل ما داموا قادرين على الحركة.

فهم، كما يقول، يعيشون المعاناة ذاتها التي يعيشها الناس؛ الجوع ونقص الطعام وشح الإمكانات وقلة الرواتب، لكن عندما تأتي إشارة الاستغاثة يتركون كل شيء ويتجهون إلى أماكن الاستهدافات.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود في الميدان، وبعد أن حمل الركام أسماء شقيقيه وزوج ابنته وأقاربه وزملائه ومئات الضحايا، لا يطلب عاشور أكثر من دعوة صادقة من المواطنين تعينهم على أعباء المهمات التي ينفذها رجال الدفاع وسط مخاطر كبيرة، وفقدان للمعدات اللازمة.

اخبار ذات صلة