ثلاثة مزارعين كانوا ينتظرون حصاد محصولهم، لجني ثمار جدهم وتعبهم طوال الفترة الماضية وهم يروون أرضهم الواقعة شرق بلدة القرارة جنوب قطاع غزة ويسهرون على العناية بالمحصول طوال الوقت. على مقربة من "الخط الأصفر".
لم يعلموا أن عيون الاحتلال كانت تراقبهم طوال الفترة الماضية وتركتهم يحرثون الأرض ويزرعونها ويرونها بشكلٍ يوميٍ ومستمر لقتلهم في اللحظة الأخيرة، فلم يكونوا يغادرون الأرض إلا يوما واحد في الأسبوع، متناوبين على حمايتها من الغرباء، كونها كانت مصدر دخلهم الوحيد.
كان أبناء صاحب الأرض عبد الحميد محمد عابدين (36 سنة) ينتظرون حصاد والدهم للمحصول ليتسنى له تعويضهم عن فترة الغياب الطويلة، ولم تتوقع إيلا (7 سنوات) ومحمد (6 سنوات) وميام (عامان ونصف) أن يصل والدهم محمولا على الاكتاف هو وشهيدان من العائلة وهما أبناء خالته الشهيدان لافي فايز عابدين (39 سنة) وهو أيضا متزوج ولديه ثلاثة أطفال وتيسير فايز عابدين (28 سنة).
مجزرة دامية
بقلب مثقل بوجع الفقد، تحكي فدوى عابدين شقيقة الشهيد عبد الحميد لصحيفة "فلسطين" عن المجزرة قائلة: "يوم الجمعة الماضي، كان أخي مستيقظا منذ الفجر، وشربوا الشاي، واتفقوا على إعداد طعام من فراخ الحمام الذي يربونه في الأرض، ولم يجدوا سكينا فذهبوا للبحث عن سكين لدى الجيران، فتفاجأوا بثلاثة أشخاص غريبين يحاولون عبور الأرض، وشكوا في أنهم من الميلشيات المتعاونة مع الاحتلال فمنعوهم من دخول الأرض".
بعيون دامعة وصوت مختنق أضافت: "لم يمض سوى دقائق على مغادرة هؤلاء الغرباء المكان، وكان اخي الآخر الذي تواجد بالأرض عبد المجيد قد ابتعد عن الأرض محاولا شراء غرض من بقالة بالمكان، ووقع الاستهداف وعندما عاد أخي وجد عبد الحميد وأبناء خالتي لافي وتيسير شهداء وكان معهم ابن أخي ونجى من الاستهداف".
في مكانٍ يفتقر لأدنى مقومات الحياة، واجه عبد المجيد صعوبة في نقل الشهداء إلى المشفى مع صعوبة وصول سيارات الإسعاف للمكان، فنقلوا بواسطة عربة كارو، حاولت العائلة تأخير الخبر عن والدهم وهو مصاب بالسرطان ومتواجد بمصر للعلاج وكان قبل أيام قد أجرى عملية وترافقه زوجته، إلا أن الخبر وصلا إليهم بمصر كالصاعقة عن طريق وسائل الإعلام، واتصلا بأبنائهم ليتأكدا من الخبر وتزامن الاتصال مع مواراة الشهداء الثرى.
أما شقيقته فدوى فعلمت في الخبر وهي تعد طعام الغداء لأطفالها، في أثناء انصاتها للهاتف تذكرت كلام والدها: "أخوتك أمانة في رقبتك" كونها الابنة الأكبر وكانت بمثابة الأم لهم، "حاولت كثيرا ثنيهم عن الذهاب نحو الأرض أو تخفيف تواجدهم فيها لكنهم كانوا يصرون على جني المحصول".
استهداف مستمر
وبصورة مستمرة يستهدف الاحتلال المزارعين القريبين من الخط الأصفر، في محاولة للسيطرة على الأراضي ودفعهم نحو النزوح غربا وترك أراضيهم وبالرغم من ذلك يصر المزارعون على التمسك بزراعة أرضهم والتواجد فيها حتى الرمق الأخير.
وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية في قطاع غزة نحو 170 ألف دونم، أي ما يقارب نصف مساحة القطاع، تتركز في شماله وجنوبه وشرقه، لا تتجاوز المساحات المزروعة حاليا عن 5% من إجمالي الأراضي الزراعية، بعد تجريف نحو 87% من الأراضي الزراعية، خاصة تلك الواقعة شرق "الخط الأصفر" التي تشكّل 62% من إجمالي الأراضي.
وعن عمل شقيقها في الأرض، تحكي عابدين: "الأرض لأبي وأخي عبد الحميد كان يعمل في محال للحلويات قبل الحرب، ولكن مع الحرب وتعطل المحال التجارية لأجل لاستصلاح أرض أبي للعمل فيها وكان يزرع الملوخية والباذنجان والكوسا إضافة للزيتون وعدة أصناف كان ينتظر حصادها بفارغ الصبر".
يوم الخميس حاول شقيقها العودة لمكوث يوم أو يومين مع أولاده قبل العودة إلى الأرض، لكنه لم يجد وسيلة مواصلات تنقله من شرق المدينة، فبقي داخل الأرض التي ارتوت من دمائه.
وفي محاولاته لاستصلاح الأرض اشترى الشهيد عبد الحميد مولدا كهربائيا لتشغيل البئر وري المزروعات، وبصورة مستمرة كانت المنطقة تتعرض لإطلاق نار من آليات جيش الاحتلال وتحلق مسيّرات "كواد كابتر" فوق الأرض مراقبة كل حركة، حتى أنها "باتت تعرف الزائر الجديد وتطلق عليه النار، كما حدث مع عمي الذي ذهب لزيارة الأرض" على حد قولها.
وتصف شقيقها بأنه محبوب من أبناء العائلة ولكل من عرفه، وتقول بنبرة عتاب: "كنت دائما اتصل عليه عندما أسمع عن حدوث شيء شرق القرارة للاطمئنان عليهم، والطلب منهم أخذ أعلى درجات الحيطة والحذر. قبل أسبوع أرسل لي رسالة بعد الفجر مكتوب فيها: "يا خواتي يا وردات.أنتن نور حياتي. طالما أنا موجود سأبقى سندكن"، عندما قرأت الرسالة خشيت أن يكون قد حدث شيء له فاتصلت عليه، فعبر عن شوقه لنا نتيجة انشغاله في زراعة المحصول".