توفي الجنرال الصربي راتكو ملاديتش، القائد العسكري السابق لقوات صرب البوسنة، عن عمر ناهز 84 عامًا داخل منشأة احتجاز تابعة للأمم المتحدة في لاهاي، بعد سنوات قضاها في السجن إثر إدانته بجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
أُعلن في 27 أغسطس/آب 2026 وفاة راتكو ملاديتش، أحد أبرز القادة العسكريين خلال حرب البوسنة والهرسك، والذي ارتبط اسمه بمجزرة سربرنيتسا وحصار سراييفو. وأكدت الأمم المتحدة وفاته أثناء قضائه حكمًا بالسجن مدى الحياة.
من هو راتكو ملاديتش؟
ولد راتكو ملاديتش عام 1942 في قرية بوزينوفيتشي بالبوسنة، والتحق في سن مبكرة بالجيش الشعبي اليوغوسلافي، قبل أن يتدرج في الرتب العسكرية ويتولى مواقع قيادية خلال تفكك يوغوسلافيا.
برز اسمه خلال حرب استقلال كرواتيا عام 1991، عندما تولى قيادة الفيلق التاسع للجيش اليوغوسلافي في مدينة كنين، وشارك في العمليات العسكرية ضد القوات الكرواتية، قبل أن يواصل صعوده في المؤسسة العسكرية.
ومع اندلاع حرب البوسنة عام 1992، عُيّن ملاديتش قائدًا لجيش جمهورية صرب البوسنة في 12 مايو/أيار 1992، وهو المنصب الذي ظل فيه حتى عام 1996.
حصار سراييفو ومجزرة سربرنيتسا
ارتبط اسم ملاديتش بأبرز الجرائم التي وقعت خلال حرب البوسنة بين عامي 1992 و1995.
فقد قادت القوات الخاضعة لإمرته حصار سراييفو الذي استمر سنوات، وشهد قصفًا وعمليات قنص استهدفت المدنيين، في حملة قالت المحكمة الدولية إنها هدفت إلى نشر الرعب بين سكان العاصمة البوسنية.
لكن أكثر الجرائم التي ارتبطت باسمه كانت مجزرة سربرنيتسا في يوليو/تموز 1995، عندما قتلت قوات صرب البوسنة أكثر من 8 آلاف رجل وفتى من مسلمي البوسنة في واحدة من أسوأ الجرائم التي شهدتها أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.
16 عامًا هاربًا من العدالة
بعد انتهاء الحرب، ظل ملاديتش بعيدًا عن قبضة العدالة الدولية لنحو 16 عامًا، متنقلًا ومتخفيًا داخل صربيا، رغم الجهود الدولية المكثفة للقبض عليه.
وفي 26 مايو/أيار 2011، أعلنت السلطات الصربية اعتقاله، قبل أن يتم تسليمه إلى المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة في لاهاي لمحاكمته.
ماذا قالت المحكمة الدولية؟
في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أدانت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة ملاديتش بارتكاب الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وانتهاكات قوانين وأعراف الحرب، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة.
وفي 8 يونيو/حزيران 2021، أيدت غرفة الاستئناف التابعة للآلية الدولية لتصريف الأعمال المتبقية للمحاكم الجنائية الحكم والسجن المؤبد، ليصبح الحكم نهائيًا.
وسجلت المحكمة أن ملاديتش لعب دورًا قياديًا في حملات هدفت إلى إبعاد المسلمين البوسنيين والكروات البوسنيين من مناطق واسعة، إضافة إلى دوره في حملة القصف والقنص في سراييفو، والجرائم التي ارتكبت في سربرنيتسا.
كيف كانت نهايته؟
توفي ملاديتش في 27 أغسطس/آب 2026 داخل مستشفى سجن تابع للأمم المتحدة في لاهاي، بينما كان يقضي عقوبة السجن مدى الحياة.
وجاءت وفاته بعد تدهور حالته الصحية، إذ كان قد تعرض لعدة جلطات دماغية خلال الأشهر الأخيرة. وكانت المحكمة قد رفضت، قبل وفاته بيوم واحد، طلبًا للإفراج عنه لأسباب إنسانية، معتبرة أن حالته لا تستوجب إنهاء احتجازه.
وأكدت الأمم المتحدة أن الأحكام الصادرة بحقه نهائية وتشكل جزءًا من السجل التاريخي، كما شددت على التضامن مع ضحايا الجرائم وذويهم، وحذرت من إنكار إبادة سربرنيتسا أو تمجيد المدانين بجرائم الحرب والإبادة الجماعية.
ماذا بقي من إرث ملاديتش؟
لم تنهِ وفاة ملاديتش الجدل حول إرث حرب البوسنة؛ فما زال يُنظر إليه في البوسنة والهرسك باعتباره أحد أبرز المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحق المدنيين، بينما لا يزال يحظى بصورة مختلفة لدى بعض القوميين الصرب الذين يعتبرونه مدافعًا عن الصرب.
لكن بالنسبة إلى المحكمة الدولية والأمم المتحدة، فإن الإدانة القضائية لملاديتش ثابتة ونهائية، ووفاته لا تمحو الجرائم التي وثقتها آلاف الصفحات من الأدلة وشهادات الناجين والضحايا.