قائمة الموقع

عبد الله العقاد.. الناجي الوحيد الذي يحمل ذاكرة عائلة غابت تحت الأنقاض

2026-08-28T10:28:00+03:00
عبد الله العقاد الناجي الوحيد من مجزرة استهدفت عائلته النازحة في خان يونس يوم 23 ديسمبر 2023
فلسطين أون لاين

في السادسة عشرة من عمره، يبدأ عبد الله مهدي العقاد يومه بأشياء تبدو عادية لطفل في مثل سنه: يرتب فراشه، يتناول فطوره، ينظف أسنانه، ثم يخرج إلى المسجد لأداء الصلاة وحفظ القرآن وتلقي دروس أحكام التلاوة. يساعد عمته في بعض احتياجات المنزل، يذهب لجلب المياه، ويجلس مساءً بين أفراد العائلة يتبادل معهم الحديث والضحكات.

لكن وراء هذا الروتين البسيط قصة ثقيلة لطفل لم يبقَ من أسرته أحد.

عبد الله هو الناجي الوحيد من عائلته بعد استهداف المنزل الذي كانت الأسرة قد نزحت إليه في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، في 23 ديسمبر/كانون الأول 2023، في قصف أودى بحياة 11 فلسطينيًا كانوا داخل المنزل، بينهم والده ووالدته وشقيقه وأفراد من عائلته الممتدة.

لم يكن عبد الله يدرك حينها أنه سيخرج من المكان حيًا، بينما ستغيب عائلته كلها تحت الركام.

"صحيت لقيت حالي في المستشفى، ما كنت عارف شو صار فيّ"، يقول عبد الله، لصحيفة "فلسطين" مستعيدًا اللحظات الأولى بعد القصف.

كان جسده مصابًا بحروق من الدرجة الثالثة ورضوض في أنحاء مختلفة، فيما غطى الغبار والبارود وجهه، حتى إنه لم يكن قادرًا على رؤية ما حوله بوضوح. وحين فتح عينيه في المستشفى، وجد عمه إلى جانبه مصابًا ويخضع للعلاج، بينما كان أعمامه وعماته يحيطون به ويبكون.

سألهم عما حدث، لكنهم أخبروه أن إصابته بسيطة وأنه سيتعافى، ربما في محاولة لحمايته من وقع الحقيقة في لحظتها الأولى.

كان عبد الله قد فقد أمه وأباه وشقيقه في تلك الغارة.

قبل ذلك، كانت عائلة عبد الله قد نزحت من مدينة حمد بعد إخلائها في بداية الحرب. انتقل أفرادها إلى منزل أحد أقاربه، بحثًا عن مكان أكثر أمانًا، قبل أن يصل القصف إليهم مرة أخرى.

تقول عمته نعمة العقاد، (43 عامًا)، إنها تتولى رعاية عبد الله منذ فقد أسرته.

تروي نعمة لـ"فلسطين" أن أفراد العائلة كانوا قد جلسوا معًا في تلك الليلة قبل أن يتوجه كل منهم إلى غرفته للنوم، وبعد نحو نصف ساعة استُهدف المنزل. كان عبد الله إلى جوار والدته ووالده وشقيقه، قبل أن تقذف قوة الانفجار أفراد الأسرة في اتجاهات مختلفة.

"هو وأخوه طاروا في مكان، وأمه وأبوه في مكان ثانٍ"، تقول نعمة، مشيرة إلى أن عبد الله نجا بأعجوبة، في حين استشهد 11 شخصًا ممن كانوا داخل المنزل.

لم يكن فقدان عبد الله لعائلته وحده ما يثقل حكايته؛ فوالده كان يشغل منصب محافظ شرطة خان يونس. وتقول عمته إن العائلة تعتقد أن استهداف المنزل جاء على خلفية هذا الموقع الوظيفي، مؤكدة أن والد عبد الله كان، موظفًا يؤدي عمله في إدارة مركز الشرطة.

وبينما تتعدد الروايات حول أسباب الاستهداف، يقول عبد الله إن هناك "100 سيناريو" لما حدث، من دون أن يعرف حقيقة واحدة يستطيع أن يبني عليها تفسيرًا لما جرى لعائلته.

اليوم يعيش عبد الله مع عمته وأفراد من عائلتها، بينهم أبناء لأخيهـا فقدوا والديهم أيضًا، في منزل واحد تتقاسم فيه الأسرة الطعام والشراب والضحكات، وتحاول أن تمنح الأطفال ما يشبه الحياة الطبيعية وسط ظروف الحرب.

تقول نعمة إنها لا تريد أن تعامل عبد الله باعتباره طفلًا عاجزًا بسبب فقدانه أسرته، لذلك تحمله بعض المسؤوليات اليومية، مثل جلب المياه وقضاء بعض الاحتياجات، وتترك له مساحة للعب والخروج، مع تنظيم وقته بين الدراسة والعبادة والراحة.

"أنا بدي أسيبه يمارس الحياة الطبيعية كأي طفل"، تقول، موضحة أنها تتابع علاجه من آثار الحروق والإصابات، وتصطحبه إلى المستشفيات كلما احتاج إلى الرعاية.

وفي يومه العادي، يذهب عبد الله إلى المسجد للصلاة، ويحفظ القرآن، ويتلقى دورة في أحكام التلاوة، ثم يعود إلى البيت ليجلس مع العائلة. وفي المساء، يجتمع بأعمامه وأقاربه، يتحدثون ويضحكون ويمزحون، في محاولة لصناعة لحظات عادية لطفل حرمته الحرب من أبسط تفاصيل طفولته.

ومع ذلك، لا تغيب ذاكرة الأم.

تقول نعمة إن عبد الله يتذكر والدته ويشتاق إليها ويتحدث عنها، وتحرص على أن تعلمه الدعاء لوالديه والصدقة عنهما، حتى تبقى صلته بهما حاضرة رغم غيابهما.

أما المستقبل، فيبدو لعبد الله مرتبطًا بحلم أكبر من كل ما مر به.

تقول عمته: "عبد الله إن شاء الله مهندس"، مؤكدة أنها ستواصل الوقوف إلى جانبه حتى يكمل تعليمه، كما تأمل أن يتم حفظ القرآن كاملًا.

اخبار ذات صلة