بعد فشله في إسقاط النظام السياسي الإيراني عبر الرهان على اضطراب سياسي واجتماعي في إيران، وبعد محدودية نتائج حملاته العسكرية بالتعاون مع إسرائيل وبعض العرب، عاد ترامب لتشديد وتوسيع حربه الاقتصادية على إيران، بخاصة أن الحصار والعقوبات الأمريكية على إيران بدأت منذ انتصار الثورة الإيرانية عام 1979، لكن التغير الرئيسي في هذا الحصار هو لا على اقتصاد إيران فقط، بل على محاولة حصار الآليات التي أنجزتها إيران للالتفاف على جوانب الحصار والعقوبات خلال العقود السابقة، فترامب اتجه للانتقال من مستوى عقوبات أمريكية على إيران إلى محاولة فرض عقوبات عالمية على إيران من خلال فرض عقوبات على أية دولة تتعامل مع إيران اقتصاديًا، ناهيك عن توسيع شبكة الاستهداف لإيران لتشمل حوالي 60 قطاعًا، تشمل الأفراد أو الكيانات الاقتصادية أو ناقلات الشحن (حوالي 100 سفينة ضمن أسطول الظل الإيراني)، وصولًا إلى التوسيع الأقصى للاستهداف ليشمل الذهب والعملات الرقمية، بخاصة المرتبطة بالحرس الثوري وبعض قيادات النظام الإيراني، إضافةً إلى قطاعات البنوك والطيران والشحن والتكنولوجيا والنفط وشبكات تمويل وتسليح إيران.
ونظرًا لخبرة إيران في مجال التعامل مع العقوبات من خلال ما يسمى "اقتصاد الظل"، انشغلت بإنشاء شركات "واجهة" لها، وإيجاد وسطاء يتمركزون في الإمارات العربية وهونغ كونغ، وتشغيل الصرافة غير الرسمية، وإطلاق أسماء مختلفة على السفن، والعمل على تنشيط التحويلات غير المباشرة والتعامل بعملات غير الدولار... إلخ.
ومن الضروري التذكير هنا أن أغلب آليات العقوبات الجديدة حاليًا هي ذاتها تقريبًا التي أعلنها ترامب في دورة رئاسته الأولى، وبعد انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018.
ومن الممكن مناقشة مدى قدرة أمريكا على النجاح في كل قطاع، لكن أبرز "عقدة في مشروع ترامب الحالي" هو تطبيق تهديداته الاقتصادية على الصين، "الشريك الاقتصادي الأول لإيران"، وتتمركز العلاقة الإيرانية مع الصين على قطاعات ثلاثة هي: النفط، والبنوك، والتعاون في مجال "أسطول الظل" الإيراني، وهو ما سنشرحه في الفقرات القادمة.
الواقع الاقتصادي الإيراني القائم:
دون مواربة، فإن الاقتصاد الإيراني يعاني من مظاهر خطرة بسبب الحروب وعدم الاستقرار الداخلي والعقوبات الاقتصادية، وهو ما انعكس على مظاهر الخلل المتمثلة في انهيار العملة الإيرانية إلى حد تجاوز 2 مليون ريال للدولار، وارتفاع أسعار المواد الغذائية بحوالي 128%، ووصول التضخم إلى 68%، مع احتمالات انكماش اقتصادي يتراوح بين 5-6%، كما أن تراجع مداخيل النفط سيدفع إلى خفض الدعم عن بعض السلع، بخاصة المحروقات، أو اللجوء لطباعة مزيد من العملة الوطنية، مما يزيد من التضخم بزيادة الخلل في الموازنة بين الكتلة النقدية والوفرة السلعية.
الفرص الإيرانية:
يمكن تحديد العوامل الكابحة لفعالية إجراءات ترامب في الآتي:
1- وجود اقتصاد إيراني قائم على خبرة عميقة في مواجهة العقوبات، فخلال فترة تمتد أقل قليلًا من نصف قرن، تمكنت إيران من بناء اقتصاد قادر على التكيف مع الحملة الجديدة، مثل:
أ- إن حجم الدين الإيراني "الخارجي" إلى إجمالي الناتج المحلي (على أساس المعادل الشرائي) هو أقل من 1% فقط، بينما حجم "إجمالي ديونها" إلى الناتج المحلي هي حوالي 36%، وهو رقم مقبول للغاية اقتصاديًا، وهي بذلك تقف في أول القائمة من حيث الأفضلية في هذه المسألة مقارنةً بجميع دول الشرق الأوسط، ناهيك عن أنها تحتل المرتبة 24 عالميًا في حجم اقتصادها طبقًا لتقارير صندوق النقد الدولي وتقارير الأمم المتحدة.
ب- إن حجم الاستثمارات الأجنبية (التي يمكن أن يهددها ترامب) في إيران ما زال محدودًا، فهي في عام 2025 لم تبلغ مليار دولار، وهو ما يعني أن تأثير العقوبات على قطاع ضعيف جدًا لن يترك أثرًا جديدًا، وأن اقتصاد إيران تكيف مع هذا الوضع، رغم أن له سلبيات أخرى، ولكنه لا يعزز تأثير العقوبات الجديدة.
ت- هيمنة القطاع العام وهيئات شبه حكومية على الاقتصاد الإيراني (حوالي 65%) تجعله أقل تأثرًا بقابلية الاقتصاد الخاص للتكيف مع الغوايات والضغوطات الخارجية.
ث- تمكن إيران من تشكيل شبكات من الوسطاء وأساطيل الظل، وتوظيف مسارات برية وبحرية بديلة باتجاه أسواقها الأهم، مثل الصين، إلى جانب الخروج من القيد النقدي بالاعتماد نسبيًا على حلول مصرفية بديلة، مثل العملات الرقمية والذهب.
ج- الاكتفاء الإيراني العالي من إنتاج المواد الغذائية، فإيران تنتج غذاءها بنسبة تصل بالاكتفاء إلى ما بين 75-80%، وهو البعد الأكثر مساسًا بالمجتمع، والأقل تأثرًا بالعقوبات.
2- الثقوب في نظام العقوبات الأمريكي: هناك نقاط ضعف في نظام العقوبات الأمريكي تتمثل في:
أ- تشير أغلب الدراسات الأكاديمية إلى أن نسبة نجاح العقوبات الاقتصادية الأمريكية في تغيير النظم السياسية خلال الفترة من 1945 إلى 2024 لم تتجاوز 8%، وإذا اقتصرنا القياس على الفترة لما بعد الحرب الباردة، فإن المعدل ينخفض إلى 2%.
ب- إن العالم سيكون أقل تجاوبًا مع ترامب بمقدار ما يتضرر اقتصاده، فارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحصار على إيران وإغلاق مضيق هرمز لن يجد صدىً طيبًا في العالم، وبخاصة بين حلفاء ترامب؛ فكلما ارتفع سعر البترول دولارين، يتحمل الاقتصاد العالمي تكلفة تصل إلى 205 ملايين دولار يوميًا، فما بالك إذا ارتفع عشرة دولارات أو أكثر؟ إن اقتصاديات العالم في أغلبها اقتصادات مأزومة، ومنها الأمريكي، وهو ما يجعل التناغم العالمي مع طموحات ترامب محدودًا.
ت- إن الأزمة الروسية الأوكرانية جعلت سوق الطاقة في وضع مربك للعالم كله، وانضمام مضيق هرمز للأزمة زاد الطين بلة، وهو ما يعزز احتمالات المواربة الدولية تجاه مشروع ترامب وقراراته.
ث- إن استمرار الأزمة مع إيران سيساهم في استمرار زيادة التضخم في أمريكا ذاتها، وهو ما يترتب عليه التأثير على تكاليف المعيشة وتراجع قيمة مدخرات الأفراد نتيجة التضخم.
ج- إن تناقص مداخيل شركات نقل الطاقة، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل، ترفع من تكاليف الشحن بسبب الشلل في المرفق الذي ينقل 20% من الطاقة في الأسواق الدولية (مضيق هرمز)، وهو ما يقود عبر الاستطراد الاقتصادي إلى أعباء إضافية على التجارة العالمية وسلاسل التوريد، الذي يقود بدوره إلى زيادة في تكاليف الإنتاج وتكاليف الغذاء.
ح- حيث إن الولايات المتحدة هي المدين الأول في العالم بحوالي 40 تريليون دولار، فإن ذلك سيكون له آثار تضخمية داخليًا، يترتب عليها آثار سياسية قد تضغط على الحكومة الأمريكية لتعديل استراتيجياتها، بخاصة الخارجية.
خ- إن التوتر وعدم الاستقرار في مجلس التعاون الخليجي يشكل مصدر قلق في الولايات المتحدة، ولعل تهديدات إيران بأن أية مشاركة من أية دولة في العقوبات سيكون الرد بما فيه العسكري أمرًا محتومًا، تجعل دول الخليج أقل حماسًا لمغامرات ترامب.
ماذا لو؟
من الضروري النظر في سلوكيات إيرانية متجددة بهدف تعظيم الضغط المضاد على الخصوم:
أ- التحرك العاجل باتجاه تطوير إيران أسلحة دفاع جوي وبحري منخفضة التكاليف، ولكنها عالية الفاعلية، وهو ما يعزز ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين للشركات التي سترى أنها متضررة من استمرار السلوك الأمريكي.
ب- إن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين سيقلل العائد الضريبي للحكومات، وهو ما قد يدفع للضغط على أمريكا لتهدئة الوضع.
الموقف الصيني:
إذا حسبنا حجم التجارة الإيرانية مع الصين قياسًا إلى إجمالي التجارة الإيرانية، فإن الصين تستحوذ على أكثر من 42% من تجارة إيران من السلع والنفط، ولكن لو جمعنا الحجم المعلن للتجارة بين البلدين مع القطاع غير المعلن - حسب لجنة الاقتصاد والأمن الأمريكية الصينية - فإن الحجم يقفز إلى 75% من حجم تجارة البلدين مع بعضهما.
تتراوح التقديرات بأن الصين تشتري ما بين 70-90% من النفط الإيراني، لكنها أيضًا تعتمد - بخاصة بنوكها - على علاقة مع الاقتصاد الأمريكي من خلال البنوك والشركات، ويتم ذلك بتعقيد تعامل البنوك والشركات الصينية بالدولار من خلال إصدار الخزانة الأمريكية لمنعها (عبر OFAC أو FinCEN) من إقامة أو استمرار حسابات المراسلة المصرفية مع البنك المستهدف (Correspondent Accounts)، والملاحظ أن عقوبات ترامب الجديدة ما تزال حذرة من الذهاب في هذا الاتجاه خوفًا من ردات الفعل الصينية ماليًا، ناهيك عن أن قبول الصين الاستجابة للضغط الأمريكي سيجعل مصداقيتها الدبلوماسية في الحضيض لدى الدول الأخرى، إضافةً إلى أن إيران ليست مهمة نفطيًا فقط للصين، بل هي جزء من شبكتها الاستراتيجية في المنطقة وورقة جيوسياسية في الشرق الأوسط. لذا فإن الصين قد تبدي بعض الاستجابة التوفيقية لمطالب ترامب، لكنها ستبقى في حدود أقل شأنًا؛ فمثلًا تراجعت الواردات النفطية الصينية من إيران بنسبة 66% خلال الفترة من فبراير 2026 إلى أغسطس من نفس العام، مع التنبه إلى أن بعض هذا التراجع ناتج عن ظرف عام - اشتعال المعارك - في الخليج، لا عن قرار صيني فقط، والراجح أن الصين ستلجأ للعودة لشراء النفط الإيراني من خلال استخدام النظام المصرفي الصيني الكبير، والشراء باليوان الصيني، وعبر المقايضة والوسطاء والشركات الصغيرة والمصافي المستقلة... إلخ.
الخلاصة:
من الواضح أن خيارات كل من أمريكا وإيران تضيق، وقد يدفع ذلك لقرارات غير عقلانية، وفي تقديري أن الوضع الداخلي لترامب في مأزق لا يقل عن مأزق النظام الإيراني، وهنا يكون الرهان على "من يصرخ أولًا؟"... ربما.

