لم يكن ضابط الدفاع المدني نجم الدين الشبراوي، يعلم أن كومة العظام والملابس التي جمعها خلال إحدى مهامه في الحرب ستترك في داخله صدمة لا يزال يعيش تحت تأثيرها.
فبعد أشهر قليلة من انضمامه إلى جهاز الدفاع المدني، وجد الشبراوي نفسه في قلب حرب قاسية، وأمام مشاهد قتل ودمار لم يكن يتخيل أن يراها في حياته، في حين كان عليه أن يواصل عمله وسط نقص حاد في الإمكانيات، وخطر يحيط به من كل جانب.
يقول الشبراوي لصحيفة "فلسطين": "كلها كانت مواقف صعبة، وصعبة للغاية. مجازر فاقت التخيل الإنساني، وصرخات للضحايا، وقلة في الإمكانيات، وخطر أحاط بنا نحن المنقذين من كل جانب، إذ لم يتورع الاحتلال عن استهدافنا".
لكن من بين عشرات المواقف التي عاشها، بقيت مهمة انتشال رفات الشهداء في منطقة "نتساريم" الأكثر قسوة في ذاكرته.
كان ذلك عقب الإعلان عن دخول الهدنة حيز التنفيذ، حين توجهت طواقم الدفاع المدني إلى المنطقة لانتشال رفات الضحايا، وجمعت الطواقم رفات نحو 30 شخصًا.
يقول الشبراوي: "أشار لي أحد الموجودين في المكان إلى وجود رفات شهيد بعيد نسبيًا عن منطقة بحثنا. وبعد إلحاح منه ذهبت وجمعت الرفات، وكان بجانبه بقايا معطف وبنطلون وشبشب، وضعتها جميعًا في كيس على عجالة، ثم عدت بسيارة الإنقاذ إلى المقر".
لم يكن يعلم أن ما حمله بين يديه في ذلك الكيس سيقوده بعد ساعات إلى واحدة من أكثر لحظات حياته ألمًا.
يتابع: "حينها تلقيت اتصالًا من والدي، رحمه الله، يطلب مني أن أبحث عن رفات شقيقي عبد الله، الذي فقدنا آثاره وهو ذاهب إلى تلك النقطة لجلب المساعدات، قبل تسعة أشهر من تاريخ البحث".
أخبره والده أن عبد الله كان يرتدي جاكيتًا رمادي اللون، وبنطلونًا "جينز"، و"شبشبًا" بني اللون.
يقول الشبراوي: "حينها تذكرت الرفات الذي جمعته في آخر لحظة".
طلب من والده إنهاء المكالمة ريثما يتفحص الكيس الذي انتشله. وعندما فتحه، وجد الملابس ذاتها التي وصفها والده.
يقول: "لم تحملني قدماي، وأخذت بالارتعاش. اتصل والدي مرة أخرى، فأخبرته أن بحوزتي رفاتًا قد يكون لشقيقي".
لكن والده أضاف تفصيلًا آخر: كان لعبد الله سن مكسورة في فكه السفلي.
يقول الشبراوي: "حينها تأكدت أنني جمعت رفات شقيقي بيدي".
صدمة البداية
لم تكن تلك الحادثة سوى واحدة من سلسلة طويلة من المواقف الدامية التي حفرت أثرها في ذاكرة الشبراوي، الذي لم يمضِ على التحاقه بالدفاع المدني سوى أشهر عندما اندلعت الحرب.
كانت مهمته الأولى في الحرب صدمة لم يكن مستعدًا لها.
يقول: "كانت المهمة الأولى في الحرب هي الصدمة الأولى التي عشتها، لم تكن هناك اتصالات في البداية؛ طلبت منا قيادة الجهاز تتبع أي صوت قصف والتوجه إلى المكان مباشرة".
وفي اليوم الثاني من الحرب، قرابة الساعة الثانية والنصف فجرًا، سمع الشبراوي وزملاؤه صوت صاروخ، ثم تابعوا الدخان المتصاعد حتى وصلوا إلى مصدره في محيط أبراج الأسرى على شاطئ مخيم النصيرات، وسط القطاع.
توجه برفقة اثنين من زملائه إلى المكان، حيث وجدوا أن القصف استهدف ثلاثة مواقع في الأبراج.
يقول: "صعدنا إلى أول مكان تعرض للقصف، وكان في الطابق الرابع. وجدت طفلة صغيرة استشهدت وهي ملتصقة بمنور العمارة، في حين تصاعد صوت طفلة أخرى من داخل الشقة، كانت تصرخ وتطلب منا إطفاء الحريق".
حاولت الطواقم إخماد النيران، وتمكنت من انتشال الطفلة، لكن المشهد لم ينتهِ عند ذلك.
يقول الشبراوي: "في المستشفى، وبعد أن أفاقت الطفلة، سألتنا عن والديها. لم أستطع إخبارها بأننا انتشلناهما معًا في كيس، وأن شقيقتها استشهدت أيضًا".
يصمت قليلًا قبل أن يضيف: "كان موقفًا صعبًا لم أعشه في حياتي، لكن للأسف كانت كل أحداث الحرب بعد ذلك بالصعوبة نفسها أو أشد".
الموت يلاحق المنقذين
لم يكن الخطر يحيط بالمدنيين وحدهم؛ فقد وجد رجال الدفاع المدني أنفسهم في مرمى القصف في أثناء محاولاتهم للوصول إلى الضحايا.
ويستذكر الشبراوي كيف نجا من الموت خلال مهمة إنقاذ في اليوم العشرين من الحرب.
يقول: "جاءنا اتصال بوجود قصف، فتوجهنا إلى المكان بحثًا عنه. وجدنا المنطقة مهجورة تقريبًا، باستثناء شخصين أرشدانا إلى موقع القصف".
بدأت الطواقم في البحث عن الضحايا، لكن ما إن اعتلوا أول درجة في المكان حتى تعرض الموقع لقصف ثانٍ بصاروخ من طائرة "إف-16".
يقول: "تحول المكان من حولنا إلى رماد، ولم نعد نرى شيئًا".
وبعد دقائق، وجد الشبراوي نفسه مصابًا بجروح طفيفة، وبدأ يتفقد زملاءه.
"أخبرني أحدهم أنه فقد قدمه، في حين أصيب شاب آخر إصابة خطيرة. أما الشابان المدنيان اللذان أرشدانا إلى مكان القصف فاستشهدا أيضًا".
وبصعوبة، تمكن أفراد الطاقم من الخروج إلى عربة الإسعاف، لكن الخطر لم ينتهِ.
يقول: "قصف الاحتلال المكان بحزام ناري من ستة صواريخ ونحن نحاول الخروج. كان موقفًا عصيبًا للغاية، لكننا نجونا. ولم يكن لدينا وقت للراحة، فعُدنا إلى العمل فورًا".
حين يعجز المنقذ
كانت أصعب لحظات العمل، بالنسبة إلى الشبراوي، تلك التي يرى فيها الضحايا أحياء تحت الأنقاض، في حين لا يملك ما يكفي لإنقاذهم.
يقول: "أن تنظر إلى الضحايا وهم ينظرون إليك، دون أن تستطيع مساعدتهم أو رفع الأنقاض عنهم حتى يلفظوا أنفاسهم الأخيرة، فهذا من أقسى ما يمكن أن يشعر به الإنسان".
ولم يكن الشبراوي، بالرغم من عمله في إنقاذ الآخرين، بمنأى عن الفقد الذي طال عائلته.
كان قد فقد شقيقين له مع زوجتيهما وأبنائهم، إثر قصف طال منزلًا مجاورًا لهم، في حين استشهدت شقيقته وهي ذاهبة إلى منزلها لجلب بعض الأغراض، وتركت وراءها سبعة أطفال أيتام، بعدما كان زوجها قد استشهد قبلها.
ولم يتوقف الفقد عند ذلك، فقد استشهد شقيق رابع له وابنته، إثر قصف منزل مجاور لمنزله.
وبعد أن هدأت وتيرة الحرب قليلًا، أصيب والد الشبراوي بعدة جلطات، توفي على أثرها، بعدما أثقلت الحسرة قلبه إثر فقد عدد كبير من أبنائه وأحفاده.
وبالرغم من كل ما خسره، اختار الشبراوي أن يواصل عمله.
يقول: "لذلك صممت على الاستمرار في العمل ومساعدة الناس، وتلبية نداءات الاستغاثة، كما كنت أتمنى لو استطاع أحد إنقاذ أشقائي ومد يد العون لهم".
وهكذا، ظل الشبراوي يعود إلى مهامه كلما جاء نداء استغاثة، يحمل معداته ويبحث عن ناجين تحت الركام، في حين يحمل في داخله قصة أخرى: قصة منقذٍ جمع رفات شقيقه بيديه، دون أن يعرف أنه كان يبحث عنه.