تُشكّل الضرائب والجمارك والمكوس أحد أهم مصادر الإيرادات العامة، وأداة رئيسة لتمويل الخدمات الحكومية ودعم الاستقرار المالي والاقتصادي. إلا أن واقع هذه الإيرادات في قطاع غزة يختلف بصورة جوهرية عن الظروف الطبيعية، نتيجة الحرب والدمار وتوقف جزء كبير من النشاط الاقتصادي وتعطل سلاسل التوريد والتجارة.
قبل الحرب، كانت المنظومة الضريبية في فلسطين تعتمد بصورة أساسية على ضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة والجمارك والمكوس، إلى جانب إيرادات المقاصة التي تمثل جزءاً مهماً من الإيرادات العامة. ووفق بيانات وزارة المالية الفلسطينية، شكّلت إيرادات المقاصة 63.8% من إجمالي الإيرادات الحكومية في موازنة المواطن لعام 2025، في حين شكّلت الإيرادات المحلية 36.2%.
أما في قطاع غزة، فقد أدت الحرب إلى انهيار واسع في النشاط الاقتصادي؛ إذ انكمش الناتج المحلي للقطاع بنحو 84% في عام 2025 مقارنة بعام 2023، وفق الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني. كما تضررت حركة التجارة وسلاسل الإمداد بصورة كبيرة، الأمر الذي انعكس مباشرة على قدرة المنشآت والأفراد على الالتزام بالضرائب والرسوم.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعادة التفكير في السياسة الضريبية في غزة. فالمطلوب ليس زيادة الأعباء على المواطن والتاجر، وإنما بناء نظام ضريبي مرن وعادل يتناسب مع اقتصاد ما بعد الحرب. ويمكن أن تشمل المرحلة الأولى إعفاءات أو تخفيضات مؤقتة للقطاعات المتضررة، وتسهيلات للمشروعات الصغيرة، وإعادة جدولة المتأخرات، مع رقمنة التحصيل وتعزيز الشفافية والرقابة.
كما ينبغي أن تتحول الجمارك والمكوس من مجرد أدوات لتحصيل الإيرادات إلى أدوات لتنظيم السوق وحماية الإنتاج المحلي، مع تسهيل دخول المواد الغذائية والأدوية والمواد الخام ومستلزمات إعادة الإعمار.
المأمول أن تكون السياسة المالية جزءاً من مشروع التعافي الاقتصادي، لا عائقاً أمامه؛ وأن تقوم العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة واضحة: ضريبة عادلة مقابل خدمات أفضل، واقتصاد منتج قادر على توليد الإيرادات بصورة مستدامة. فنجاح الإصلاح الضريبي في غزة لن يقاس فقط بحجم الأموال المحصلة، بل بقدرته على إعادة عجلة الإنتاج والاستثمار والتشغيل إلى الحياة.