في مجتمع مثل المجتمع الإسرائيلي، تشكل النخبة بأشكالها المختلفة قرون الاستشعار للبيئة المستقبلية، فهي تؤثر في توجهات المجتمع، وتساهم في تشكيل فضاء القرار الاستراتيجي للدولة في ذهن صانع القرار، وتتركز هذه النخب في أوصال المجتمع كله، مما يجعلها على تماس بتفاصيل الظاهر والباطن، وبالروح العامة للمجتمع، فهي مبثوثة في القيادات الحزبية، ومراكز الدراسات، والجامعات، والنقابات، والمختبرات العلمية، بل وبين الفنانين والأدباء... إلخ.
وبمتابعة أدبيات هذه النخب، يمكن تحديد المخاوف المستقبلية على إسرائيل، والتي هي المخاوف الأكثر اتفاقًا عليها بين أفراد النخبة، على النحو التالي:
1- يبدو أن الخطر العسكري التقليدي المباشر لم يعد يتصدر هذه المخاوف بعد خروج مصر من الصراع تمامًا، وبعد تخلي الجبهة الشرقية العربية عن فكرة تحرير فلسطين، بل وعن ما هو أقل من ذلك بكثير، واتساع قاعدة التطبيع، والتمزق الداخلي في هذه الجبهات، لكن يبقى هاجس يُطل بين الحين والآخر في أدبيات النخبة، وهو "التطور التكنولوجي العسكري لدى التنظيمات المسلحة في المنطقة، والذي قد يصل إلى مرحلة أسلحة الدمار الشامل (الكيماوي والجرثومي، بل والنووي)، وما قد يتفتق عنه العقل البشري من تطورات تكنولوجية، وبخاصة أن التطور التكنولوجي يتسارع بشكل مضطرد، وبتكاليف أقل، وبيسر في عبور المعلومات والخبرات للحدود المادية والافتراضية".
2- القلق من تعدد الهويات الفرعية في المجتمع الإسرائيلي، مع انتقال هذه التنوعات لدرجات من الولاء الآلي (بتعبير دوركهايم) على حساب الولاء العضوي، فالمجتمع الإسرائيلي متنوع بين علمانيين ودينيين، ويهود وعرب، ومسلم ومسيحي ويهودي، وبين انتماءات قومية لما قبل الهجرة (أشكنازي وسفارديمي وصابرا)... إلخ، وشهدت الفترات الأخيرة احتقانات مجتمعية تقف وراءها مثل هذه التنوعات، واتضحت معالمها في المجتمع والمؤسسة العسكرية والأحزاب...
وتتضح مؤشرات هذا الجانب في أدبيات معهد الأمن القومي الإسرائيلي، الذي يضع في حسابه مخاطر عسكرية مستقبلية مثل: تحالف إقليمي عسكري جديد في المنطقة ضد إسرائيل، والتعدد في القوى النووية في الشرق الأوسط، وانهيار النظام الدفاعي الإسرائيلي أمام احتمال وقوع موجات من الهجمات الصاروخية واسعة النطاق ودقيقة التوجيه. لكنه يضع هذه المخاوف في بنية المجتمع في آخر قائمة المخاطر، ويربطها بعامل مساعد، وهو فقدان "الطابع الديمقراطي" للنظام السياسي في إسرائيل، مما يعزز التفكك الاجتماعي.
3- القلق من المتغير الديموغرافي: فإذا كان عدد الفلسطينيين حاليًا في فلسطين التاريخية ما زال أعلى من عدد اليهود، فكيف ستكون دولة يهودية "في دولة أغلب سكانها ليسوا يهودًا"؟ وفي دراسة لـ "Charles D. Freilich" عن المخاطر غير العسكرية، يطرح في إحداها موضوع الفلسطينيين في الجسد الاجتماعي الإسرائيلي، ويبدو أن الفارق بين عدد اليهود والفلسطينيين سيتواصل لصالح الفلسطينيين، ما لم يتم التهجير أو الانفصال عن المناطق المحتلة عام 1967، وهو ما سيغرق إسرائيل في مشاكل جديدة أو متجددة.
وقد تتفاقم المشكلة من خلال الاستيطان، فزيادته تعزز احتمال تجدد الانتفاضة، والتخلي عن الاستيطان قد يفجر حربًا أهلية بين اليهود.
4- البرنامج النووي الإيراني: تكاد أن تكون هذه النقطة هي الأكثر إجماعًا وتوافقًا عليها لدى النخبة الإسرائيلية، فهي تحتل المرتبة الأولى في تصنيف وترتيب المخاطر، وتزداد خطورة إيران من خلال ربط تطورها العسكري بحلفائها "من التنظيمات المسلحة"، التي يمكن أن يتم تسليحها "بغير التقليدي من السلاح"، وتتوارى خلفها إيران.
5- العزلة الدولية: أشرنا في دراسات سابقة وبشكل تفصيلي إلى تراجع مكانة إسرائيل بعد طوفان الأقصى إلى أكثر من 44 منزلة، وزاد معدل التصويت ضدها في الأمم المتحدة بحوالي 35 دولة، وفي مثل هذه البيئة الدولية تستشعر (إسرائيل) مخاطرها، ولو في المدى الزمني المتوسط والبعيد، وتتعزز هذه العزلة في حالة تزايد الفجوة مع الولايات المتحدة، وتزايد نفور المجتمع اليهودي العالمي من السياسات الإسرائيلية، وكلاهما تطوران تشير لهما بعض الملامح.
6- تتعزز المخاطر السابقة بمؤشرات مساعدة لا يجوز استبعادها، مثل:
أ- التغير في بعض النظم السياسية العربية واستبدالها بنظم معادية لإسرائيل.
ب- وقوع تطورات تقنية أو أزمات اقتصادية تغير من الوزن النوعي لبعض الدول، بخاصة الخليجية.
ت- تنامي التخلي الأمريكي عن رعاية إسرائيل لأسباب داخلية أمريكية، أو لتغير المكانة الأمريكية في القطبية الدولية، أو لزيادة الانفضاض الشعبي الأمريكي عن تأييد إسرائيل.
أخيرًا، لا بد من طرح تساؤلات على النخبة الإسرائيلية والنخب العربية على النحو التالي:
1- للنخبة الإسرائيلية نقول: هل السياسات الإسرائيلية الحالية تعزز أو تضعف المخاطر سالفة الذكر؟ فإن كانت تعززها، فلماذا تواصل إسرائيل هذا النهج؟ وإن كانت تضعفها، فكيف نفسر أن أغلبها تعاظم منذ وصول الليكود لكرسي السلطة؟
2- للنخبة العربية نسأل: كيف يمكن تعميق احتمالات هذه المخاطر؟

