لم تكن نداءات الواجب الوطنية والمهنية مجرد وظيفة عابرة بالنسبة للشهيد العقيد أسامة هاشم الهجين، بل كانت عقيدة راسخة وإرثا متجذرا من التضحية. ففي مجزرة دامية ارتكبها الاحتلال الإسرائيلي بتاريخ 19 أغسطس/ آب 2026، مستهدفة مكتب محافظة غزة، ارتقى الهجين (43 عاما) مع ثلة من ضباط وكوادر الشرطة الميامين، ليختتم مسيرة حياة ملؤها العلم، وحماية الجبهة الداخلية من عبث العابثين ومخططات الاحتلال.
إرث من العطاء
ولد الشهيد أسامة في مدينة غزة عام 1983، وتربى في كنف أسرة عريقة عرفت بالورع والالتزام والأخلاق العالية. فوالده الحاج هاشم الهجين، مؤذن مسجد علي بن أبي طالب الذي عرف في حي الزيتون وعموم غزة بكرمه وطيب أخلاقه، ضرب أروع أمثلة الإيثار عندما تنازل عن وظيفته كمؤذن لأحد جيرانه الفقراء، وذهب بنفسه إلى وزارة الأوقاف ليثبت ذلك بصحبة الرجل الفقير. وقد ترك هذا الأثر الطيب بصمته يوم وفاته في جنازة مهيبة غفيرة لم يعرف أولها من آخرها، بحسب المقربين.
ولم يكن الأب وحده عنوانا للتضحية، بل عرف عن العائلة تقديمها الشهداء، فالشهيد الهجين هو شقيق الشهيدين أحمد ووليد اللذين ارتقيا خلال انتفاضة الأقصى، ليكمل أسامة مسيرة العائلة ثباتا وإصرارا.
مسيرة علمية وأسرية
أنهى الشهيد دراسة البكالوريوس في تخصص الرياضيات من الجامعة الإسلامية بغزة بتقدير امتياز، متسلحا بالعلم ومنهجيته الدقيقة، ليلتحق بعدها في صفوف جهاز الشرطة عام 2007، خادما لأبناء شعبه وحاميا لأمنهم واستقرارهم الداخلي بحرفية عالية وتفان منقطع النظير.
وقد توج مسيرته الأمنية قبل استشهاده مؤخرا بتوليه مهام إدارة عمليات الشرطة في محافظة غزة، حيث أشرف على حفظ الجبهة الداخلية في ظل ظروف استثنائية.
وفي العام 2008، أسس الشهيد حياته الأسرية، حيث رزق بستة أطفال، رباهم على معاني العزة والفداء.
أمانات الوداع ووصايا العطاء
يروي شقيقه محمد الهجين (45 عاما) لصحيفة "فلسطين"، جانبا من اللحظات الأخيرة في حياة شقيقه أسامة، فيقول: "قبل ذهابه إلى المكتب، قام أبو عبد الله بتسجيل ورقة الأمانات الخاصة بجهاز الشرطة وقال: هذه أمانات، وفي حال استشهادي عليكم بتسليمها".
ويضيف محمد مستذكرا مناقب شقيقه: "أخي أبو عبد الله كان أخا صادقا معطاء، وكل من عرفه أحبه، وكان يخدم الجميع رغم الخطر ومحاولات الاستهداف المتكررة التي كان معرضا لها، وكان دائما يقول كلمته المشهورة: أنا في مكان مسؤول، وعلي خدمة الناس وإرجاع حقوقهم وتأمين سلامة المجتمع".
ويستحضر محمد جانبا من الدور المجتمعي البارز لشقيقه قبيل استشهاده، فيروي قائلا: "قبل استشهاده بيوم واحد فقط، نجح أبو عبد الله في تطويق خلاف عائلي حاد كادت تزهق بسببه أرواح وتقع جرائم قتل. لقد تحرك بحرص شديد وبادر فورا لجمع الأطراف المتنازعة، وأشرف بنفسه برفقة ثلة من الوجهاء ورجال الإصلاح على إتمام الصلح وإصلاح ذات البين، ليغادر الدنيا ويسير ذكره الطيب في قلوب الناس مصلحا وحاميا للسلم الأهلي".
ويتابع: "لم تكن تضحياته محصورة في العمل الرسمي فحسب، بل كانت روحه المعلقة بالوطن تسبقه دوما، فقد كان سندا لعائلته وإخوانه، حريصا على وصل الأرحام ورعاية المحتاجين رغم قسوة الظروف المعيشية والأمنية، ليترك برحيله فراغا كبيرا في قلوب كل من عرفوه، وسيرة معطرة بالصبر والثبات لن تنسى".
كلمات تختصر حكاية وطن
قبل ساعات قليلة من استهدافه، التقى مراسل صحيفة "فلسطين" بالشهيد أسامة، وذلك بعد إصابته المتوسطة جراء عملية اغتيال رفيق طفولته محافظ شرطة غزة، العميد جمال أبو كميل "أبو رياض".
قال الشهيد أسامة بنبرة يملؤها العزم: "لن نستسلم ولن نركع ولن نحيد عن طريق الحق والحرية، وسنبقى الأوفياء لأبناء شعبنا والحصن الحصين لحماية الجبهة الداخلية من الفوضى والفلتان التي يسعى الاحتلال جادا لافتعالها في غزة".
وأضاف متأثرا برحيل رفيق دربه: "ليس للحياة طعم بعدك يا أبو رياض".
وعندما سئل عن سر إصراره على حمل هاتفه الجوال رغم الخطر الشديد والملاحقة المستمرة، أجاب بثقة: "كيف يسير العمل بلا هاتف؟ ونحن في جهاز الشرطة بنص القانون مدنيون، رغم الخطر مستمرون وعلى أهبة الاستعداد، ويا مرحبا بلقاء الله. عملنا يتطلب منا أن نكون على قدر عال من المسؤولية تجاه أبناء الوطن وشعبنا".
وحذر "أبو عبد الله" في حديثه من محاولات الاحتلال إحداث فراغ أمني، مؤكدا: "الاحتلال لا يريد للشرطة أي دور أو وجود، وهذا ما لن نسمح به لو قتلنا جميعا"، مشددا في الوقت ذاته على الدور المحوري لأبناء الشعب والوجهاء ورجال الإصلاح في إفشال مخططات الاحتلال.
رفيق الدرب
عاش الشهيد أسامة رفيقا وصديقا لدرب العميد أبو كميل، حيث درس أسامة الرياضيات بينما درس جمال القانون. ورفضا النزوح إلى جنوب القطاع، وبقيا ثابتين في الشمال، حتى إنهما استأجرا شقة وسكنا فيها برفقة عائلتيهما، لتبقى "أم عبد الله" ترافق "أم رياض" تحت سقف واحد، توثيقا لعرى الأخوة.
ولم يمض على رحيل القائد أبو كميل سوى أسبوع واحد، حتى لحق به رفيق دربه "أبو عبد الله" في ذلك اليوم المشهود ليرتقي شهيدا مع عدد من رفاقه الضباط، مخلدين سيرة من الثبات والوفاء حتى الشهادة.