تحولت ساحات مجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، إلى مساحة تختلط فيها الدموع بالفرح، مع وصول 35 فلسطينيًا أفرجت عنهم سلطات الاحتلال، أخيرًا، ونقلتهم اللجنة الدولية للصليب الأحمر من حاجز "كرم أبو سالم"، شرق رفح، إلى المجمع الطبي، حيث كانت عائلاتهم تنتظر عودتهم بعد أسابيع وأشهر وسنوات من القلق والخوف.
وبمجرد نزول المفرج عنهم من مركبات الصليب الأحمر، اندفع ذووهم نحوهم، في مشاهد حارة من العناق والبكاء والقبلات، في حين علت الزغاريد وارتفعت أصوات التكبير، وتحولت لحظات الانتظار الطويلة إلى فرحة بعودة الأحبة سالمين.
وضمت القائمة 32 من العمال الفلسطينيين الذين وجدوا أنفسهم محتجزين في الأراضي المحتلة والضفة الغربية، إلى جانب ثلاثة أسرى، بينهم المسعف وسيم المغاري، الذي اختطفته العصابات العميلة للاحتلال من وسط قطاع غزة في أثناء توجهه لأداء عمله في إسعاف المصابين.
وبعد نحو 65 يومًا من الاحتجاز، عاد المغاري إلى عائلته، وسط فرحة كبيرة عاشها والده الذي ظل طوال تلك المدة ينتظر خبرًا عن مصير ابنه.
وقال والد وسيم، وقد بدا عليه التأثر: "بطلب من الله إنه يفرج عن جميع الأسرى، والحمد لله الإفراج عن ابننا بخير وبسلامة، وربنا يهدي بالنا وبال جميع أمة المسلمين".
وأوضح أن ابنه يعمل سائق إسعاف، ولا ينتمي إلى أي فصيل، مؤكدًا أنه كان متوجهًا إلى عمله عندما تعرض للاختطاف.
وأضاف: "ما نعرفه أن العملاء اختطفوه وسلموه لليهود"، مشيراً إلى أن العائلة لم تتمكن طوال فترة احتجازه من معرفة مكان وجوده أو التواصل معه.
وقال الأب: إن العائلة حاولت الاستفسار من الجهات المعنية، لكن دون الحصول على معلومات واضحة، قبل أن تصلها أنباء الإفراج عنه.
وبفرحة عارمة، وصف لحظة عودة ابنه قائلاً: "هذه أكبر فرحة، وربنا يفرح جميع أهل الأسرى، يا رب يرجعوا أولادهم غانمين سالمين".
ومن بين المفرج عنهم أيضًا أحمد محمد محمد أبو فياض، من سكان حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، الذي قال إنه فقد ابنه خلال الحرب، بينما اضطر هو أن يعيش في رام الله قرابة ثلاث سنوات، ثم قرر العودة إلى غزة.
ووصف أبو فياض شعوره بعد الإفراج عنه بأنه "لا يوصف"، في وقت أكد فيه أن ما شاهده في غزة من دمار ترك أثرًا بالغًا عليه، قائلاً إن "خان يونس ورفح تعرضتا لدمار واسع".
وحمل أبو فياض رسالة إلى أصدقائه الذين ما زالوا في رام الله، محذرًا إياهم من تسليم أنفسهم لقوات الاحتلال، في إشارة إلى ما قال إنه تعرض له من إهانة ومعاملة قاسية خلال الاحتجاز على أيدي قوات الاحتلال.
من جهتها، أفادت أماني الناعوق، الناطقة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن اللجنة سهلت نقل 35 محررًا أفرج الاحتلال عنهم، ونقلتهم إلى مجمع ناصر الطبي، وعملت على إعادة التواصل بينهم وبين عائلاتهم ولم شملهم.
وأكدت الناعوق أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر لم تتمكن، منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023 وحتى الآن، من الوصول إلى المعتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي، مجددة دعوتها إلى ضرورة إبلاغ اللجنة بمصير وأماكن وجود جميع المعتقلين والسماح لها بالوصول إليهم.
وبينما غادر المفرج عنهم ساحات المجمع برفقة ذويهم، بقيت مشاهد العناق والدموع شاهدة على لحظة طال انتظارها؛ فرحة لم تكن عادية في قطاع أنهكته الحرب، إذ بدا لقاء الأسرى بعائلاتهم وكأنه استعادة مؤقتة لشيء من الحياة وسط واقع مثقل بالفقد والدمار.