في صحن المسجد، رأيت طفلًا يجلس على بساطه الذهبي، يتمتم بكلمات لا تكاد تُسمع، يروح ويجيء بعينيه بين السطور، وكأن شيئًا ثمينًا يخشى أن يفلت من ذاكرته.
اقتربت منه أكثر، فإذا به ابن صديقٍ شهيد، كان يلهث، ويتمتم بآيات من القرآن الكريم، يحاول استرجاع ما حفظه من كتاب الله قبل أن يدخل إلى حلقة السرد.
وقفت أراقبه بدهشة، فما إن بدأ حتى تفاجأت بقوة حفظه، وطلاقة لسانه، وسرعة سرده؛ آيات تتتابع من ذاكرته بسلاسة.
كان طفلًا صغيرًا، لكن ما يحمله في صدره أكبر من عمره؛ إنها حكاية غزة التي لم تستطع الحرب أن تقطع صلتها بالقرآن.
في غزة، لا تنقطع حلقات القرآن. لها متسع في الخيام، وفي الشوارع، وفي ساحات المساجد، وعلى ما تبقى من جدرانها، رغم انشغال الأطفال والرجال والنساء بطوابير الماء والخبز، ورغم ضنك العيش وقسوة الحياة.
في الوقت الذي يطارد فيه الناس لقمة العيش، ويقفون ساعات طويلة للحصول على الماء والخبز، يجدون للقرآن مكانًا في يومهم.
لم يمنع القصف والقتل والإبادة أفواج الطلاب من مواصلة المسير، فكلما ضاقت بهم سبل الحياة، وجدوا في القرآن فسحة من الطمأنينة، وفي آياته نورًا يعينهم على الصبر ومواصلة الطريق.
جباليا، المدينة التي يحاصرها الاحتلال بالقتل والدمار، ويثقل شوارع مخيمها بالموت، تتواصل فيها حكاية تاج الوقار، جباليا التي تضج بأصوات المدافع والقصف، ويقتل الاحتلال أهلها، حتى تكاد بعض شوارعها تخلو من البشر بفعل القتل والنزوح والخوف، ما زالت تحتفظ بمشهد آخر لا يشبه الحرب.
هناك، بين ما تبقى من البيوت والمساجد، يجلس أطفال المخيم من حفظة القرآن، يتلون ويراجعون ويسردون ما حفظوه، كأنهم يقولون إن جباليا، رغم كل ما أصابها، لا تزال تنبض بالحياة؛ وإن الاحتلال قد يفرغ الشوارع من أهلها، لكنه لا يستطيع أن يفرغ صدورهم من القرآن.
مسجد التوبة، أحد معالم مخيمها الشامخة، يحتضن حلقات تاج الوقار، وتواصل زهراته، حافظات كتاب الله، مسيرتهن، يكتبن في سطورهن عبق القرآن ورحيقه، ويحملن رسالة تتجاوز لحظة الحرب؛ رسالة جيل يريد أن يبقى القرآن حاضرًا في غزة، مهما تبدلت الظروف.
في المسجد، اجتمعت 60 حافظةً لكتاب الله ليسردن المصحف كاملًا في جلسة واحدة؛ مشهد تختصر فيه غزة حكاية أجيال تتمسك بكتاب الله، رغم كل ما يحيط بها من ألم ودمار.
هؤلاء لا يحفظون القرآن لليوم فقط، بل للمستقبل أيضًا، ولعل الحرب تنتهي يومًا، وتختفي آثار الركام، وتنهض غزة من جديد، فتجد أجيالًا نضجت على القرآن، وحفظته في أصعب أيامها، لتكون هي من يعيد بناء الإنسان والمكان.
«النصر بوابته المساجد».. كلمة لطالما رددها أبطال غزة، فهؤلاء هم بناة غزة الحقيقيون؛ أطفالها وشبابها ونساؤها، الذين لم تمنعهم قسوة الحياة من مواصلة المسير، ولم تستطع الحرب أن تقطع صلتهم بكتاب الله.
قد تنقطع الكهرباء والماء والخبز، وقد تهدم البيوت والمساجد، لكن حلقات القرآن لا تنقطع.
في غزة، قد تهدم الحرب الحجر، لكنها لم تستطع أن تهدم ما استقر في الصدور.