في مسبح صغير بمنطقة مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، يحاول أطفال فلسطينيون من مبتوري الأطراف استعادة ما سلبته الحرب منهم: الثقة بالقدرة على الحركة والحياة من جديد. هنا، لا تبدو السباحة مجرد نشاط رياضي، بل مساحة للتعافي النفسي، وكسر حاجز الخوف، ودمج الأطفال مع أقرانهم بالرغم من الإصابة وويلات الحرب.
بين المشاركين، يبرز محمود رفيق أبو شدق (14 عاماً)، الذي لا تزال تفاصيل إصابته حاضرة في ذاكرته؛ ففي الأول من أغسطس/آب 2025، وفي أثناء نزوحه، أصيب خلال الحرب وبُترت ساقه، ونُقل بعدها إلى المستشفى وتلقى العلاج لنحو شهر.
يروي محمود أن تلك الفترة كانت الأقسى في حياته، إذ عجز عن مغادرة السرير أو الذهاب إلى الحمام بمفرده، كما واجه صعوبة بالغة في استخدام العكازات والكرسي المتحرك.
ولم تقتصر المعاناة على الجانب الجسدي؛ إذ عاش محمود ظروفاً قاسية خلال فترة المجاعة وشح الغذاء في القطاع. ويتذكر كيف كان يبحث عن أي شيء يسد جوعه قائلاً: "كنت ميت من الجوع"، مشيراً إلى أنه اضطر في بعض الأحيان لأكل رغيف اختلط بالرمل لعدم توافر الطعام.
وبعد أشهر من العجز والألم، وجد محمود في السباحة متنفساً جديداً عبر تدريبات نظمتها مؤسسة "هيل بالستاين" (Heal Palestine)؛ حيث بدأ ينزل إلى الماء تدريجياً بعدما كان يخشاه في البداية.
ويقول بابتسامة لصحيفة "فلسطين": "بعد ما كنت بخاف من المية، صرت أقدر أسبح"، موضحاً أنه تعلم حركات عدة، منها السباحة بطريقة "الكلب" و"النجمة"، بعدما لم يكن يعرف السباحة سابقاً.
ويطمح محمود اليوم إلى أن يصبح سباحاً وأن يواصل التدريب لتعلم حركات جديدة؛ إذ لم يعد المسبح بالنسبة إليه مكاناً للتدريب فحسب، بل مساحة للشعور بالحماس والفرح وتحدي آثار الإصابة.
وتشاركه التجربة منة عاشور (13 عاماً)، التي فقدت ساقها إثر قصف استهدف منزلاً مجاوراً لمكان نزوح عائلتها في منطقة الشاليهات بدير البلح في يوليو/تموز 2025.
وتروي منة لصحيفة "فلسطين" أن الشظايا أصابتها وشقيقيها، ما أدى إلى بتر ساقها وساق شقيقتها. وجاءت الإصابة وسط معاناة عائلتها —كسائر عائلات القطاع— نقص الغذاء والدواء وغلاء الأسعار، لافتة إلى أن والدتها كانت تشتري كمية ضئيلة من العنب بسعر 60 شيكلاً.
اليوم، تبدو منة بظروف مختلفة؛ إذ تأتي إلى المسبح للمشاركة في التدريب وتعلّم حركات جديدة كـ "النجمة" و"الصاروخ" و"الكلب" والسباحة على الظهر.
وتعبر عن تجربتها قائلة: "شعوري جميل"، رغم أن ثقتها بنفسها—كما تصف—"رجعت بس مش كثير".
من جهتها، تؤكد مدربة السباحة نجوى أبو عمرو أن التغيير الذي طرأ على الأطفال منذ بداية البرنامج كان ملموساً.
وتعمل أبو عمرو مدربة لدى أكاديمية "طنطيش" لتعليم السباحة بالشراكة مع مؤسسة "هيل بالستاين" ضمن برنامج يهدف لإعادة تأهيل الأطفال مبتوري الأطراف.
وتوضح أن الأطفال وصلوا في البداية وهم يحملون خوفاً كبيراً من الماء، معتقدين أن الإعاقة وظروف الحرب تجعل السباحة مستحيلة.
وتضيف أن المدربين تمكنوا تدريجياً من كسر حاجز الخوف لدى الأطفال، ومساعدتهم على السباحة بمفردهم، ما عزز لديهم الثقة والأمل والإرادة.
ولا تبدأ الحصة بالنزول المباشر إلى الماء، بل يتلقى الأطفال أولاً دعماً نفسياً، ثم يشاركون في تمارين إحماء وأنشطة ترفيهية تهيئهم للسباحة.
وتؤكد أبو عمرو لـ"فلسطين" أن السباحة تتجاوز حدود الرياضة، فهي وسيلة لنقل الطفل من الحالة السلبية إلى الإيجابية، ومنحه فرصة لممارسة هواية تشعره بأنه جزء طبيعي من المجتمع.
ويستهدف البرنامج حالياً نحو 30 طفلاً، مع تطلع القائمين عليه إلى توسيع نطاقه في ظل وجود أعداد كبيرة من الأطفال مبتوري الأطراف في غزة ممن يحتاجون لمثل هذه الأنشطة.
وتختتم أبو عمرو حديثها بالإشارة إلى أن الرسالة الأساسية للبرنامج هي أنه "لا يوجد شيء مستحيل"، وأن فقدان الطرف لا ينبغي أن يحرم الطفل من التعلم أو الرياضة.
في المسبح، يتعلم الأطفال كيف يتحركون بأجساد غيرتها الحرب، لكنهم يتعلمون أيضاً أن الإصابة لا تختصر حياتهم، وأن فقدان طرف لا يعني فقدان القدرة على الحلم. ومع كل حركة يتقنونها، يستعيدون جزءاً من طفولتهم، موجهين رسالة مفادها أن الإعاقة قد تغير طريقة الحركة، لكنها لا تلغي الإرادة والأمل

