فلسطين أون لاين

خريشة: الضفة مستباحة أمام الاحتلال.. والسلطة عاجزة عن الحماية

أبو رعد.. الأب الذي حمل ذاكرة ابنيه الشهيدين

...
فتحي خازم "أبو رعد"
جنين-غزة/ عبد الله التركماني:

لم يكن فتحي خازم، المعروف بـ"أبو رعد"، مجرد أب فقد اثنين من أبنائه في سنوات المواجهة، بل تحول، مع مرور الوقت، إلى واحد من الوجوه التي حملت ذاكرة جنين ومخيمها، قبل أن يغتاله الاحتلال فجر أمس.

فقد خازم نجليه رعد وعبد الرحمن، وعاش سنوات من الملاحقة الإسرائيلية، لتتجاوز قصته حدود الفقد العائلي إلى صورة أوسع عن جيل فلسطيني حمل أثمان مواجهة الاحتلال.

وأفادت مصادر محلية بأن قوات الاحتلال اقتحمت منزل خازم في جنين وأطلقت النار عليه، في واقعة تعيد إلى الواجهة سياسة الاغتيالات والقتل التي تلاحق شخصيات فلسطينية ارتبطت بالمقاومة أو تحولت، بفعل تجربتها ومواقفها، إلى رموز في الوعي الشعبي.

ويرى مراقبون أن اغتيال خازم يؤكد استمرار استباحة الاحتلال للضفة، وسياسة تصفية الحسابات مع المقاومين ورموز الحالة الوطنية، وأن الاحتلال لا يتعامل مع الشخصيات الفلسطينية باعتبارها أفرادا فقط، وإنما يستهدف أيضا الرمزية التي اكتسبتها هذه الشخصيات داخل مجتمعها، بينما تعجز السلطة في رام الله عن توفير الحماية للمواطنين.

فتحي خازم ابو رعد.webp
 

وولد فتحي زيدان خازم عام 1966 في مخيم جنين، وتنحدر عائلته من بلدة قباطية جنوب جنين. وعمل في عدد من المهن خلال شبابه، قبل أن يتعرض للاعتقال خلال الانتفاضة الأولى ويمضي سنوات في سجون الاحتلال.

وظل خازم، لسنوات، بعيدا نسبيا عن دائرة الأضواء، قبل أن يتحول اسمه إلى واحد من أكثر الأسماء حضورا في مدينة جنين عقب استشهاد نجله رعد.

رعد.. واجهة المشهد

في السابع من أبريل/نيسان 2022، نفذ رعد خازم عملية إطلاق نار في شارع ديزنغوف بمدينة (تل أبيب)، أدت، إلى مقتل ثلاثة إسرائيليين وإصابة آخرين.

وعقب العملية، بدأت قوات الاحتلال مطاردة رعد التي انتهت باستشهاده في مدينة يافا في اليوم التالي، بعد ساعات من الملاحقة والاشتباك.

عملية ديزنغوف وفي الإطار منفذها رعد خازم
 

كان ذلك الحدث نقطة تحول كبيرة في حياة والده فتحي. فمنذ ذلك الوقت، ظهر "أبو رعد" في جنازات وفعاليات داخل مخيم جنين، وأصبح اسمه حاضرا في الخطاب الوطني الفلسطيني، كما ارتبط بصورة الأب الذي واجه فقد نجله الأكبر وتحول إلى شخصية عامة في واحدة من أكثر المناطق تعرضا للاقتحامات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

ولم يمض وقت طويل قبل أن تتلقى العائلة ضربة ثانية.

عبد الرحمن.. الفقد الثاني

في 28 سبتمبر/أيلول 2022، استشهد عبد الرحمن خازم، نجل فتحي الثاني، خلال اقتحام قوات الاحتلال لمخيم جنين، في عملية شهدت اشتباكات مسلحة وأدت إلى استشهاد عدد من المواطنين.

ومنذ ذلك الحين، حمل "أبو رعد" ليس فقط اسم الأب الثاكل، بل ذاكرة عائلة فقدت اثنين من أبنائها في سياق الصراع مع الاحتلال. ومع مرور السنوات، أصبح هذا الفقد جزءا من صورته العامة ومكانته في مخيم جنين، وواحدا من أسباب تحوله إلى شخصية رمزية في المشهد الفلسطيني

وكان اسم فتحي خازم قد دخل دائرة الاهتمام الإسرائيلي عقب استشهاد نجله رعد. وتقول تقارير إعلامية عبرية وفلسطينية إن سلطات الاحتلال اعتبرته مطلوبا واتهمته بالتحريض، في حين واصل ظهوره العلني في جنين ومخيمها.

وفي السنوات التالية، بقي خازم شخصية معروفة في المدينة، وظهر في مناسبات وفعاليات وطنية، فيما استمرت جنين ومخيمها في التعرض لاقتحامات وعمليات عسكرية إسرائيلية متكررة.

وبذلك، فإن اغتياله فجر أمس لا يأتي في فراغ؛ بل بعد سنوات أصبح خلالها اسمه مرتبطا بمرحلة شهدت تصاعدا كبيرا في العمليات العسكرية الإسرائيلية في شمال الضفة الغربية.

السلطة.. مفارقة الحماية الغائبة

وتطرح جريمة اغتيال فتحي خازم سؤالا سياسيا وأمنيا صعبا حول قدرة السلطة في رام الله وأجهزتها الأمنية على حماية المواطنين في الضفة الغربية، خصوصا الشخصيات المعروفة التي تعيش داخل مناطق يفترض أن تكون خاضعة لإدارة فلسطينية مباشرة أو جزئية.

وتزداد حساسية السؤال في حالة خازم بسبب موقعه السابق في أجهزة الأمن الوطني التابعة للسلطة، وبسبب أن حضوره خلال الفترة الأخيرة لم يكن بالضرورة مرتبطا بمواجهة ميدانية مباشرة كما كان الحال في ذروة ظهوره بعد استشهاد نجليه.

خازم.jpg
 

وتظل المفارقة السياسية قائمة بقوة: سلطة وأجهزة أمنية تنشط في ضبط المجال العام وملاحقة مطلوبين ومقاومين فلسطينيين، لكنها تجد نفسها عاجزة عن منع قوات الاحتلال من دخول المدن والوصول إلى البيوت وقتل المواطنين.

وهذه المفارقة لا تتعلق بفتحي خازم وحده، وإنما تفتح نقاشا أوسع حول وظيفة أجهزة أمن السلطة وأولوياتها، وحدود صلاحياتها، وحول السؤال الذي يزداد إلحاحا في الشارع الفلسطيني: كيف يمكن للأجهزة التي تملك قدرة على ضبط الفلسطينيين أن تكون عاجزة عن توفير حماية حقيقية لهم في مواجهة الاحتلال والمستوطنين؟

تصفية الحسابات مع المقاومين

وقال النائب الثاني لرئيس المجلس التشريعي حسن خريشة، لصحيفة "فلسطين": إن اغتيال فتحي خازم، يؤكد مرة أخرى غدر الاحتلال الإسرائيلي واستمراره في سياسة تصفية الحسابات مع المقاومين ورموز الحالة الوطنية الفلسطينية، مشددا على أن ما جرى في جنين لا يمكن فصله عن نهج إسرائيلي متواصل يقوم على الاقتحام والاعتقال والقتل والاغتيال.

وأضاف خريشة أن استهداف أبو الرعد داخل منزله يكشف إلى أي مدى باتت الضفة الغربية مستباحة أمام قوات الاحتلال، التي تقتحم المدن والمخيمات والقرى في أي وقت، وتنفذ عمليات الاعتقال والاغتيال، وتفرض الحصار والإغلاق، بينما لا تجد أمامها رادعا حقيقيا يمنعها من ممارسة هذه الانتهاكات.

وأكد أن الاحتلال يتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ساحة مفتوحة لعملياته العسكرية، وأن استمرار الاقتحامات والاغتيالات لا يمثل حوادث منفصلة أو إجراءات أمنية عابرة، وإنما يأتي في سياق سياسة أوسع تهدف إلى إخضاع الشعب الفلسطيني وضرب قدرته على الصمود والحفاظ على رموزه الوطنية.

ووفقا لوزارة الصحة، استشهد منذ بداية العام الجاري وحتى 24 يوليو/تموز منه، 86 مواطنا بينهم 21 برصاص المستوطنين.

فتحي خازم والد منفذ العملية الفدائية في شارع ديزنغوف بتل أبيب
 

وقال خريشة إن اغتيال فتحي خازم "يحمل دلالة خاصة، لأنه لم يكن شخصا مجهولا في المشهد الفلسطيني، بل كان أباً للشهيدين رعد وعبد الرحمن، وواحدا من الوجوه التي ارتبطت بمدينة جنين ومخيمها، وظل حاضرا في المناسبات الوطنية وفي ذاكرة الناس".

وأضاف أن القول بأن حضور أبو الرعد في المواجهة المباشرة تراجع خلال الفترة الماضية لا ينتقص بأي شكل من الأشكال من تاريخه أو مكانته الوطنية، ولا يمنح الاحتلال مبررا لاستهدافه، مشيرا إلى أن الرمزية التي اكتسبها الرجل بعد استشهاد نجليه بقيت حاضرة، وأن استهدافه بعد سنوات من تلك الأحداث يؤكد أن الاحتلال لا يكتفي بملاحقة من هم في الميدان، وإنما يواصل تصفية الشخصيات التي تحولت إلى رموز في الوعي الشعبي.

وشدد خريشة على أن عجز السلطة وأجهزتها الأمنية عن توفير الحماية لفتحي خازم يضع الحالة الفلسطينية أمام مفارقة مؤلمة، تتمثل في أن هذه الأجهزة تنخرط في ملاحقة المقاومين وضبط الحالة الفلسطينية، بينما لا تستطيع في الوقت نفسه منع قوات الاحتلال من اقتحام المدن الفلسطينية والوصول إلى بيوت المواطنين واغتيالهم.

وقال إن هذه المفارقة تستدعي مراجعة وطنية جادة لوظيفة الأجهزة الأمنية وأولوياتها، بحيث تكون حماية المواطن الفلسطيني وتعزيز صموده في مواجهة الاحتلال والمستوطنين في مقدمة مهامها، بدلا من أن ينحصر دورها في ضبط المجتمع الفلسطيني أو ملاحقة النشطاء والمقاومين.

وأكد في الوقت ذاته أن تحميل السلطة مسؤولية عدم منع الاقتحام لا ينبغي أن يحجب المسؤولية الأصلية للاحتلال، باعتباره القوة العسكرية التي تسيطر على الأرض وتمتلك القدرة على اقتحام المدن والبيوت وتنفيذ عمليات القتل والاعتقال.

وأضاف أن المطلوب هو التعامل مع هذه الحقيقة بوضوح، مع إعادة بناء الموقف الفلسطيني على قاعدة حماية الناس وتوحيد الصفوف وإنهاء الانقسام.

المصدر / فلسطين أون لاين