فلسطين أون لاين

سما والشعراء.. من خيمة النزوح تولد قصائد طفلة غزة

...
أطفال غزة يلوذون بالشعر هرباً من كابوس الحرب
خان يونس/ تامر قشطة:

في مخيمات النازحين بمواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، حيث تتزاحم الخيام وتطغى على تفاصيل الحياة يوميات الحرب والنزوح وشح الاحتياجات الأساسية، يبحث عدد من الشعراء الفلسطينيين عن شيء مختلف: موهبة صغيرة يمكن أن تنمو بالرغم من كل ما يحيط بها من ألم.

يجوب الشعراء بين خيام النازحين، يلتقون بالأطفال والناشئين، يستمعون إلى محاولاتهم في كتابة القصائد وإلقائها، ويقدمون لهم دروساً في اللغة العربية وأصول كتابة الشعر وفن الإلقاء، في مبادرة شخصية تهدف إلى اكتشاف المواهب وتنميتها، ومنح الأطفال مساحة للتعبير عن أنفسهم بعيداً عن ضغوط الحرب.

ومن بين الأطفال الذين لفتوا انتباه الشعراء، الطفلة سما أبو عودة، 10 سنوات، التي فاجأت زائريها بقدرتها على كتابة وإلقاء الشعر، بعدما جعلت من خيمتها مساحة للتعلم والتدريب.

تستقبل سما عدداً من الشعراء الذين يزورون مخيمها، وتحرص على الاستفادة من خبراتهم في تعلم أصول وفنون كتابة القصيدة وإلقائها.

وبكلمات طفولية تحمل الكثير من الوجع، تكتب عن الخيمة، والنزوح، وتفاصيل الحياة اليومية في غزة، وعن المجازر الإسرائيلية والحرب التي تقترب من نهاية عامها الثالث.

تقول والدتها لصحيفة "فلسطين" إن سما أحبت الشعر منذ سنوات، متأثرة بوالدتها التي كانت تلقي الشعر أمامها، قبل أن يتحول ذلك الإعجاب إلى موهبة تحاول الطفلة تطويرها، مستفيدة من لقاءات الشعراء المتنقلين بين مخيمات النازحين.

وبينما تنشغل غالبية الأسر في الخيام بتأمين المياه والطعام والاحتياجات اليومية، تحاول والدة سما الحفاظ على مساحة لابنتها كي تكتب وتتعلم، وتشجعها على مواصلة تطوير موهبتها، وترى في الشعر وسيلة للتعبير عن تجربة طفلة تعيش الحرب والنزوح.

أما الشعراء، فيرون أن اكتشاف هذه المواهب لا يقل أهمية عن توفير مساحة للعب أو التعليم، لأن الأطفال الذين حُرموا من كثير من حقوقهم خلال الحرب ما زالوا بحاجة إلى فرصة للحلم.

WhatsApp Image 2026-08-19 at 4.10.07 PM12.jpeg
 

يقول الشاعر سليم الدبجي، أحد المشاركين في المبادرة، إن مجموعة من الشعراء تتنقل بجهود شخصية بين الخيام، لاستقبال الأطفال والفتيان والفتيات وتعليمهم مبادئ الشعر واللغة العربية.

ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن المبادرة لا تقتصر على تعليم الكتابة والإلقاء، بل تهدف أيضاً إلى الاستماع إلى تجارب الأطفال وتوثيق ما يعيشونه شعرياً، حتى تصبح كلماتهم شاهدة على مرحلة قاسية من تاريخ قطاع غزة.

ويرى الدبجي أن الشعر قادر على نقل التجربة الإنسانية والاجتماعية إلى الأجيال المقبلة، ولذلك يسعى المشاركون في المبادرة إلى نقل خبراتهم إلى الأطفال، ليتمكنوا مستقبلاً من التعبير عن تجاربهم بأنفسهم.

ولا يكتفي الشعراء بزيارة الأطفال داخل الخيام، بل يصطحبون بعض المواهب إلى الأمسيات واللقاءات الشعرية، لمنحهم فرصة الوقوف أمام الجمهور واختبار قدراتهم في الإلقاء.

ويقول الدبجي إن الأهالي أبدوا تشجيعاً كبيراً للمبادرة، لكن استمرارها يحتاج إلى دعم، خصوصاً أن الشعراء ينتقلون بين المخيمات سيراً على الأقدام للوصول إلى الأطفال واكتشاف مواهب جديدة.

ومن جهته، يقول الشاعر عامر فسيفس، وهو نازح من رفح إلى مواصي خان يونس، إن المبادرة جاءت لمحاولة إعادة الأطفال إلى الثقافة والإبداع، بعدما أصبحت تفاصيل الحياة اليومية المرتبطة بالنزوح تستهلك معظم وقتهم.

ويشير إلى أن الأطفال في المخيمات باتوا منشغلين بتعبئة المياه والحصول على الطعام والاحتياجات الأساسية، بينما يحاول الشعراء منحهم فرصة للكتابة والحلم والتعبير عن الذات.

ويقول لـ"فلسطين" إن الهدف هو الوصول يومياً إلى مخيم جديد واختيار مجموعة من الأطفال والناشئين الذين يمتلكون موهبة في الكتابة أو الإلقاء، ثم العمل على تطويرها وتعزيز حضورها.

وفي إحدى الزيارات، التقى فسيفس بالطفلة سما وأسرتها، ولاحظ قدرتها على الكتابة والإلقاء، معتبراً أن مثل هذه المواهب تستحق الرعاية والتطوير، حتى لا تضيع وسط ظروف النزوح القاسية.

في مواصي خان يونس، لا تبدو الخيام مجرد أماكن للإقامة المؤقتة بالنسبة إلى هؤلاء الأطفال؛ بعضها يتحول إلى فصل صغير لتعلم اللغة، وبعضها إلى منصة لإلقاء قصيدة، فيما تتحول كلمات طفلة في العاشرة إلى محاولة لتسجيل ما تراه وتعيشه.

وتكتب سما عن الخيمة التي أصبحت بيتها، وعن تفاصيل الحياة التي فرضها النزوح، وعن الحرب التي غيرت طفولتها، محاولة أن تمنح تلك التجربة كلمات تبقى بعد أن تنتهي الأيام الصعبة.

ويبحث الشعراء عن الموهبة بين الخيام، بينما يبحث الأطفال عن نافذة صغيرة للفرح والحلم. وبين الاثنين، تولد قصائد قد تصبح في المستقبل جزءاً من ذاكرة غزة، كتبها أطفال عاشوا الحرب، وقرروا أن يرووا حكايتهم بأصواتهم

المصدر / فلسطين أون لاين