قائمة الموقع

تشكيك فلسطيني ودولي في تحقيق الاحتلال باستشهاد هند رجب

2026-08-21T09:14:00+03:00
هند رجب

واجه إعلان جيش الاحتلال فتح تحقيق جنائي في استشهاد الطفلة هند رجب وستة من أفراد عائلتها والمسعفَيْن اللذين توجها لإنقاذها، تشكيكًا فلسطينيًا ودوليًا في جدوى التحقيقات الداخلية الإسرائيلية، وسط مطالب بإجراء تحقيق مستقل ومحاسبة المسؤولين عبر الآليات الدولية.

وبعد أكثر من عامين ونصف العام على جريمته، أقر جيش الاحتلال، بمسؤوليته عن استشهاد الطفلة هند رجب في غزة في 29 يناير/كانون الثاني 2024، مدعيا فتح تحقيقات داخلية.

وقال شعوان جبارين، المدير العام لمؤسسة الحق لحقوق الإنسان، إن إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي فتح تحقيق جنائي في استشهاد الطفلة هند رجب وستة من أفراد عائلتها والمسعفين اللذين توجها لإنقاذها "لا يمكن اعتباره خطوة كافية نحو العدالة"، مشددًا على أن التحقيق في الجرائم الخطيرة يجب أن يكون مستقلًا عن الجهة المتهمة بارتكابها.

وأثارت القضية اهتماما دوليا بعد انتشار تسجيل لمكالمة هند مع الهلال الأحمر وهي تطلب النجدة، قبل العثور عليها شهيدة داخل السيارة إلى جانب أفراد عائلتها، إضافة إلى اثنين من المسعفين اللذين أُرسلا لإنقاذها.

وتشكل التحقيقات الإسرائيلية موضع تشكيك من منظمات حقوقية، بينما تطالب عائلة هند بتحقيق دولي مستقل.

وأكد جبارين في تصريح لصحيفة "فلسطين" أن توقيت فتح التحقيق يثير تساؤلات جدية حول دوافع القرار، خصوصًا أن قضية هند رجب حظيت باهتمام دولي واسع، وتعرضت (إسرائيل) لضغوط متزايدة بشأن المساءلة عن الانتهاكات المرتكبة في قطاع غزة.

وشدد على أن فتح التحقيق بعد هذه المدة الطويلة، وبعد سنوات من النفي والمراجعات العسكرية، لا ينبغي أن يُستخدم لتقديم صورة عن وجود مساءلة داخلية بينما تظل الأسئلة الأساسية بشأن المسؤولية والقيادة وسلسلة إصدار الأوامر دون إجابات.

وقال جبارين: "إن السؤال الأساسي الذي يجب طرحه ليس فقط: ماذا سيحقق جيش الاحتلال؟ وإنما لماذا لم يبدأ هذا التحقيق منذ وقوع الجريمة؟".

وأضاف: "عندما تُفتح التحقيقات بعد أكثر من عامين ونصف، وبعد هذا الحجم من الضغط الدولي، فإن من المشروع طرح سؤال جوهري: هل جاء القرار استجابة لمقتضيات العدالة، أم نتيجة للضغط المتزايد على (إسرائيل) ومحاولة احتواء التداعيات القانونية والسياسية للقضية؟"

وأكد أن مرور هذه المدة الطويلة لا يخدم العدالة، لأن الزمن قد يؤدي إلى فقدان الأدلة أو صعوبة الوصول إلى الشهود أو التأثير في إمكانية إعادة بناء التسلسل الكامل للأحداث.

وشدد جبارين على أن المشكلة الجوهرية لا تكمن فقط في تأخر التحقيق، وإنما في هوية الجهة التي تجريه.

وقال: "عندما يتعلق الأمر باحتمال ارتكاب جرائم حرب، فإن المطلوب هو تحقيق مستقل ومحايد، وليس تحقيقًا تجريه المؤسسة العسكرية نفسها مع أفراد تابعين لها".

وأوضح أن التحقيق الداخلي لا يصبح مستقلًا لمجرد أن الجيش يصفه بأنه "جنائي"، مشيرًا إلى ضرورة أن تكون الجهة المحققة مستقلة فعليًا عن الأشخاص والوحدات محل الاشتباه، وأن تتمتع بصلاحية الوصول إلى جميع الأدلة والشهود والوثائق العسكرية ذات الصلة.

وأضاف: "المعيار ليس اسم التحقيق، وإنما مدى استقلاله وقدرته على الوصول إلى الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، بمن فيهم أصحاب الرتب العليا إذا أثبتت الأدلة مسؤوليتهم".

الاعتراف لا يساوي المساءلة

وأشار جبارين إلى أن إعلان جيش الاحتلال أن قواته أطلقت النار على السيارة التي كانت تقل هند وعائلتها يمثل تطورًا مهمًا في الرواية الرسمية، لكنه لا يعني أن العدالة تحققت.

وقال إن الاعتراف بوقوع إطلاق النار يجب أن يكون بداية للتحقيق الحقيقي وليس نهايته.

وأضاف: "المطلوب ليس معرفة ما إذا كان إطلاق النار قد وقع فقط، فهذا بات جزءًا من الوقائع التي يجب فحصها، وإنما تحديد من اتخذ القرار، وما الذي كان يعرفه، ولماذا استمر استخدام القوة، ومن يتحمل المسؤولية عن استشهاد هند وعائلتها والمسعفين".

وأكد جبارين أن قضية هند رجب تختلف عن العديد من الوقائع التي قد يصعب التحقيق فيها بسبب غياب الأدلة، إذ توجد مواد وتسجيلات وشهادات يمكن أن تساعد في إعادة بناء الجريمة.

وأوضح أن تسجيلات مكالمات هند مع الهلال الأحمر، وسجلات الاتصالات، وبيانات المواقع، وصور الأقمار الصناعية، وتسجيلات العمليات العسكرية، ومقاطع الفيديو، وتقارير الطب الشرعي، وشهادات الشهود، يمكن أن تشكل أساسًا للتحقيق.

وقال: "الأدلة المتعلقة بقضية هند لم تظهر اليوم. صوتها وهي تطلب النجدة كان موجودًا، وتسجيلات الهلال الأحمر كانت موجودة، وموقع السيارة كان معروفًا، كما كانت هناك آثار مادية وشهادات وتقارير يمكن فحصها. لذلك فإن السؤال المشروع هو لماذا استغرق الوصول إلى قرار فتح تحقيق جنائي كل هذا الوقت؟"

ودعا جبارين إلى عدم الاكتفاء بالتحقيق الإسرائيلي، مطالبًا بإجراء تحقيق دولي مستقل في استشهاد هند رجب وعائلتها والمسعفين.

وقال إن طبيعة الجرائم المشتبه بها، وحجم الأدلة المتاحة، والشكوك المتعلقة باستقلال التحقيق الداخلي، كلها عوامل تجعل وجود آلية تحقيق مستقلة عن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أمرًا ضروريًا.

وأضاف: "عائلة هند لا تحتاج إلى تحقيق تجريه الجهة التي يُشتبه في ارتكابها الجريمة؛ هي تحتاج إلى تحقيق مستقل يكشف الحقيقة ويحدد المسؤولين ويضمن عدم إفلاتهم من العقاب".

وأوضح أن المسارات الدولية، بما فيها التحقيقات المرتبطة بالمحكمة الجنائية الدولية وآليات الولاية القضائية العالمية في بعض الدول، يمكن أن تشكل أدوات مهمة للمساءلة، ولا ينبغي أن يحول فتح تحقيق داخلي إسرائيلي دون استمرار هذه المسارات.

مؤسسة هند رجب: لا ثقة بالتحقيقات

وفي بروكسل، قالت مؤسسة هند رجب إنها "لا تثق" بقرار جيش الاحتلال فتح التحقيقات، معتبرة أن التحقيقات الداخلية الإسرائيلية في الانتهاكات التي يرتكبها جنود الاحتلال لا تمثل آلية موثوقة للمساءلة.

وقالت المؤسسة إن الإعلان عن التحقيقات، حتى في حال تنفيذها، "لا ينبغي اعتباره خطوة حقيقية نحو تحقيق العدالة"، مشيرة إلى أن منظمات قانونية وحقوقية فلسطينية ودولية وثقت، على مدى سنوات، عيوب جوهرية في منظومة التحقيقات الداخلية الإسرائيلية.

واستشهدت المؤسسة بقضية الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة، مشيرة إلى أن جيش الاحتلال أقر في أيلول/ سبتمبر 2022 بوجود "احتمال كبير" بأنها استشهدت بنيران إسرائيلية، لكنه لم يفتح تحقيقًا جنائيًا من جانب الشرطة العسكرية.

وقالت إن سجل التحقيقات الإسرائيلية يثير مزيدًا من الشكوك بشأن جدوى التحقيق الجديد، مشيرة إلى أن (إسرائيل) تدعي إنها أحالت أكثر من ألف حادثة مرتبطة بسلوك مشتبه به لقواتها في غزة إلى آلية تقصي الحقائق والتقييم، وفتحت 74 تحقيقًا جنائيًا، من دون نشر كشف شامل يوضح أوضاع تلك التحقيقات ونتائجها.

وأضافت المؤسسة أن مراجعة مستقلة أجرتها منظمة العمل بشأن العنف المسلح (AOAV) لـ52 تحقيقًا عسكريًا إسرائيليًا أُعلن عنها بشأن انتهاكات في غزة والضفة الغربية المحتلة، خلصت، بحسب المؤسسة، إلى أن 88% منها أُغلقت دون إثبات مخالفة أو بقيت قيد المراجعة دون إعلان نتائج، بينما انتهى تحقيق واحد فقط إلى حكم بالسجن.

ورأت أن الإعلان عن التحقيق في قضية هند رجب واستشهاد 15 مسعفًا في رفح يأتي في ظل تصاعد التدقيق والضغوط الدولية على (إسرائيل)، وقد يؤدي إلى "إعطاء انطباع بوجود مساءلة مع استمرار الإفلات من العقاب".

وقالت إن توقيت الإعلان يجب فهمه في سياقه الأوسع، معتبرة أن التحقيقات الداخلية لا ينبغي أن تحول دون مواصلة المسارات الدولية للمساءلة.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2025، قالت مؤسسة هند رجب إنها حددت، استنادًا إلى تحقيق أجرته، الوحدة والقادة والجنود الذين حملتهم مسؤولية استشهاد هند وعائلتها والمسعفين، وواصلت ملاحقة مسؤولين وعسكريين إسرائيليين عبر مسارات قضائية دولية.

وتأسست مؤسسة هند رجب في شباط/ فبراير 2024، وتتخذ من بروكسل مقرًا لها، وتنشط في تقديم شكاوى ودعاوى قضائية ضد مسؤولين وعسكريين إسرائيليين في دول مختلفة.

اخبار ذات صلة