غادر جاريد كوشنير المنطقة وفي حقيبته وعود كثيرة. وبعد نحو 48 ساعة، جاءه الرد من غزة: نار ودم ونحو عشرين شهيدًا خلال عشرين ساعة.
لم تكن المسافة الزمنية بين الزيارة والتصعيد تفصيلًا عابرًا. قبل مغادرته، عقد كوشنير لقاءات مع الوسطاء ووفد حركة حماس، وقدم نفسه بوصفه ذاهبًا إلى الكيان لدفع حكومة بنيامين نتنياهو نحو قبول خارطة الطريق وبدء تنفيذها.
كان يفترض أن تكون المهمة أسهل هذه المرة. فالوثيقة، المعروفة بخارطة ميلادينوف، لم تعد مجرد مقترح أولي. شارك كوشنير نفسه في بلورة بنودها الخمسة عشر، وخضعت لصيغ وتعديلات متعددة، قبل أن توافق عليها حماس بعد ضمانات أميركية واضحة: إذا قبلت الحركة الصيغة الأخيرة، ستضغط واشنطن على إسرائيل لقبولها وتنفيذها.
وبحسب معطيات اللقاء الأخير، لم تذهب حماس إلى كوشنير لإعادة التفاوض، بل لتذكيره بما تعهد به الجانب الأميركي. كانت رسالتها مختصرة: نحن وافقنا، والآن جاء دوركم مع نتنياهو.
لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن بداية تنفيذ، بل موجة استهدافات دامية.
حتى اللحظة، يشير التصعيد إلى أن زيارة كوشنير لم تنجح في انتزاع موافقة إسرائيلية على خارطة الطريق، أو على الأقل في فرض تهدئة ميدانية تمهّد لتنفيذها. وقد يكون نتنياهو اختار الرد بالنار ليوجه ثلاث رسائل في وقت واحد.
الأولى إلى الفلسطينيين: أن إسرائيل ما تزال صاحبة اليد العليا، وأنها قادرة على العودة إلى الاغتيال والقصف متى أرادت، بصرف النظر عن المفاوضات والضمانات والوسطاء.
والثانية إلى واشنطن: أن الوعود الأميركية لا تتحول تلقائيًا إلى قرارات إسرائيلية، وأن نتنياهو ما يزال قادرًا على قول «لا» حتى عندما يكون المقترح قد صيغ بمشاركة الدائرة الأقرب إلى دونالد ترامب. إنها «لا» لا تتوقف عند كوشنير، بل يصل صداها إلى البيت الأبيض نفسه.
أما الرسالة الثالثة فتتجه إلى الداخل الإسرائيلي. فنتنياهو يدخل موسمًا انتخابيًا يحتاج فيه إلى الحفاظ صورته: رجل الأمن الذي لا يتردد في استخدام القوة. وفي مثل هذا المناخ، تصبح غزة مجددًا مسرحًا لرفع الأسهم الانتخابية، ويُستخدم الدم الفلسطيني مادة في المنافسة السياسية الإسرائيلية.
مع ذلك، من المبكر إعلان وفاة خارطة الطريق. فالاختبار لا يزال قائما، والكرة انتقلت عمليًا إلى ملعب ترامب.
هل سيقبل بأن تتحول موافقة حماس إلى ورقة بلا مقابل، وأن يُستقبل مبعوثه بتصعيد ينسف الوعود التي قدمها؟ أم سيستخدم ثقله لإجبار نتنياهو على الانتقال من سياسة النار إلى التزام التنفيذ؟
ما جرى في غزة لا يعني فقط أن نتنياهو يرفض اتفاقًا. الأخطر أنه يختبر حدود الإرادة الأميركية، ويحاول أن يثبت أن الكلمة الأخيرة ما تزال له.
ولهذا، فإن الايام المقبلة لن تكون اختبارًا لجدية نتنياهو؛ فقد قال كلمته بالنار. إنها اختبار لترامب: هل يملك خطة فعلًا، أم يملك مجرد منح وعود؟