تتجمع أقدام صغيرة حول سيارة تجوب مخيمات النزوح في قطاع غزة. يقترب الأطفال منها بفضول، ثم تتبدل ملامحهم؛ دمى وألوان وألعاب وشاشة عرض تستقبلهم، في حين يتوزعون بين الرسم والرياضة والحكايات ومشاهدة الأفلام الكرتونية. لدقائق تتراجع صورة سيارة الإسعاف المرتبطة في أذهانهم بالخوف، لتحل محلها مساحة للعب والابتسام.
من هنا جاءت فكرة "باص الأحلام"، الذي حوّلته جمعية الهلال الأحمر إلى مساحة متنقلة للدعم النفسي والاجتماعي والترفيه، تصل إلى الأطفال في مخيمات النزوح، وتمتد خدماته إلى النساء وكبار السن والجرحى وذوي الإعاقة في بعض المستشفيات.
مساحة صديقة للأطفال
توضح مديرة دائرة الصحة النفسية في جمعية الهلال الأحمر - قطاع غزة، نيفين عبد الهادي، أن فكرة الباص امتداد لتجربة "الاستوديو المفتوح" الموجودة لدى الجمعية منذ عام 2002 في مدينة الأمل بمركز خان يونس، وهي مساحة صديقة وآمنة للأطفال تضم زوايا للفن والتشكيل، والقص واللصق، والألعاب، والحكواتي، والألعاب الشعبية والرياضة.
ومع بداية الحرب، طُرحت فكرة نقل تجربة الاستوديو من المركز إلى مخيمات الإيواء والنزوح والمبادرات التعليمية والجمعيات، بعدما أصبح الأطفال محرومين من كثير من الأنشطة الترفيهية.
وتقول عبد الهادي لصحيفة "فلسطين" إن الباص بدأ في محافظة خان يونس بسبب صعوبة التنقل، ثم توسع نشاطه ليصل إلى مناطق في الوسطى وغزة، ويعمل حالياً ثلاثة أيام في الأسبوع وفق التنسيق مع المخيمات والمؤسسات.
إسعاف مختلف
يشرح منسق فريق "باص الأحلام" في إدارة الصحة النفسية والاجتماعية بجمعية الهلال الأحمر، غالب أبو خاطر، أن فكرة "باص الأحلام" كانت موجودة قبل الحرب، وكان هدفها الوصول إلى المناطق المهمشة وتقديم خدمات توعوية واجتماعية وترفيهية ونفسية متنوعة.
كانت السيارة في الأصل سيارة إسعاف تضررت من القصف وخرجت من الخدمة، قبل أن توفرها الجمعية للمشروع بالتعاون مع الجهات الداعمة.
"أصبحت الآن تقدم إسعافاً من نوع آخر، ألا وهو الإسعاف النفسي، والترفيهي، والثقافي، والاجتماعي، والإبداعي"، يقول أبو خاطر لصحيفة "فلسطين".
ويحمل الاسم بالنسبة إليه معنى مرتبطاً بأحلام سكان القطاع الذين فقدوا الكثير من تفاصيل حياتهم. ويستحضر تجربته قائلاً: "كان بيحلم، كان بيحلم: بدي أغير هذا الواقع، عشان هيك إحنا سميناه باص الأحلام".
كما أراد الفريق تغيير الصورة المرتبطة بسيارة الإسعاف لدى الأطفال، فامتلأت بالألعاب والدمى والألوان، لتصبح، وفق عبد الهادي، مصدراً للفرح بدلاً من الخوف.
ساعتان للطفولة
حين يصل الباص إلى أحد المخيمات، تُجهز مساحة مفتوحة للأنشطة، وتُنصب شاشة العرض والكراسي، ثم يتوزع الأطفال على الزوايا بحسب رغباتهم.
في السينما، يشاهد الأطفال أفلاماً كرتونية هادفة ومضحكة تتناول قيماً اجتماعية وثقافية وتوعوية. أما الرسم، فيمنحهم فرصة للتعبير بالألوان، خصوصاً أن بعض الأطفال لا يستطيعون التعبير بالكلمات عما يشعرون به.
"الطفل ما بيقدر مثلاً يعبر بالكلمة عن اللي بده يحكيه، ممكن يعبر بالرسمة، بالتلوين"، يوضح أبو خاطر.
وتقدم زاوية الحكواتي قصصاً تربوية وثقافية واجتماعية تتناسب مع أعمار الأطفال، بينما تضم زاوية الألعاب والرياضة أنشطة حركية وحسية ومسابقات لتنمية مهاراتهم.
أما الأشغال اليدوية، فتواجه أحياناً نقص المواد الخام والقرطاسية، ما يدفع الفريق إلى استخدام البدائل المتاحة.
وتستمر الجلسة نحو ساعتين، ويضم الفريق خمسة أشخاص إضافة إلى السائق، مع تنفيذ نشاط جماعي في الأماكن الواسعة يتضمن مسابقات حركية وغنائية وأناشيد.
يتسع للجميع
لم يعد الباص مخصصاً للأطفال وحدهم. فقد امتدت أنشطته إلى النساء وكبار السن والجرحى وذوي الإعاقة، ووصل إلى مستشفى حمد للتأهيل الطبي وتركيب الأطراف الصناعية، ومستشفى الأمل، والمستشفى الميداني للتأهيل الطبي التابع للهلال الأحمر.
ويقول أبو خاطر إن الفريق يتعامل مع فئات عمرية مختلفة، وإن أي حالة يشتبه بحاجتها إلى دعم نفسي متخصص تُحال إلى الفرق الميدانية التابعة لإدارة الصحة النفسية.
"لو اكتشفت حالة عندها مثلاً مشاكل نفسية أو صدمات نفسية، بيتم تحويلها مباشرة للفرق العاملة في الميدان"، يوضح.
أطفال يطلبون العودة
لا يحتاج الفريق إلى أدوات قياس معقدة ليرى أثر النشاط؛ فالرسائل التي تصله بعد الزيارات تكشف حجم الطلب.
يذكر أبو خاطر أنه بعد زيارة مخيم في المواصي بخان يونس، طلب منه الأطفال العودة، وقالوا له: "أمانة تجينا كمان مرة"، لأنهم يريدون اللعب والاستمتاع ونسيان الواقع المحيط بهم.
ويقول إن الفريق تلقى بعد إحدى الزيارات نحو ست رسائل من طواقم مخيمات تطلب حضور الباص.
من جهتها، تشير عبد الهادي إلى أن الفريق يتلقى يومياً نحو ثلاث إلى أربع رسائل واتصالات من المجتمع المحلي للمطالبة بزيارة الباص، فيما قد لا تكفي زيارة واحدة لمخيم يضم أطفالاً ونساء وكبار سن وجرحى.
وبحسب أبو خاطر، استفاد من الخدمة نحو 10,500 شخص خلال فترة نصف عام، وفق ما أفاد به.
طريق صعب
لا يخلو المشروع من العقبات. فالوضع الأمني يجعل اختيار أماكن النشاط تحدياً دائماً، إذ قد يتعرض موقع وجود الأطفال والطواقم للقصف أو الخطر.
كما يعاني الفريق من نقص المواد الخام والقرطاسية، ومن صعوبات في توفير الكهرباء والوقود. ويذكر أبو خاطر أن كابل الكهرباء لم يكن متوفراً في فترة سابقة، ما صعّب الوصول إلى بعض المواقع، كما واجه الفريق نقصاً في الوقود.
وتزيد صعوبة الطرق من أعباء التنقل، إذ يستغرق انتقال الباص من خان يونس إلى غزة نحو ساعة ونصف إلى ساعتين في الذهاب، ومثلها في العودة، وفق أبو خاطر.
مع اتساع الطلب، تتطلع الجمعية إلى توسيع التجربة. وتوضح عبد الهادي أن هناك سعياً لتوفير باص أكبر يتسع لنحو 50 راكباً، ويضم مساحة أوسع للسينما والأنشطة، إلى جانب محاولة توفير باص ثانٍ وثالث لخدمة مناطق مختلفة.
لكن التوسع يحتاج إلى تمويل وتجهيزات، بينما يظل نقص المواد وصعوبة إدخالها إلى القطاع عائقاً أمام تطوير الأنشطة.
وفي كل زيارة، يلتف الأطفال حول الباص، يتنقلون بين ألوان الرسم وأصوات الحكايات وحركة الألعاب وشاشة السينما. ثم يغادر الفريق المكان، فيما يبقى طلب واحد يتكرر من الصغار: العودة مرة أخرى.
ففي قطاع أنهكته الحرب، لا يحمل "باص الأحلام" ألعاباً وأنشطة فقط، بل يحمل للأطفال مساحة قصيرة يستعيدون فيها شيئاً من طفولتهم؛ ساعتين يستطيعون خلالهما أن يلعبوا، ويرسموا، ويحلموا.