يثير استبعاد وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) من بعض اجتماعات التنسيق المتعلقة بالتعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة مخاوف من تراجع دورها مستقبلًا، وسط تساؤلات عن الجهة التي ستتولى الخدمات التي تقدمها الوكالة لمئات الآلاف من الفلسطينيين، وفي مقدمتهم اللاجئون.
ولا يعني غياب أونروا عن اجتماع تنسيقي بعينه أن قرارًا نهائيًا اتُّخذ بإنهاء عملها في غزة، لكن تكرار استبعادها من ترتيبات التخطيط والتعافي قد يفتح الباب أمام تقليص تدريجي لمسؤولياتها ونقل بعض خدماتها إلى جهات أخرى، من دون وضوح بشأن جهوزية البديل وقدرته على سد الفجوة، في ظل مساع إسرائيلية لإلغاء وجود أونروا كوكالة شاهدة على قضية اللاجئين.
وتزداد حساسية الملف حسب ما يراه مراقبون في الاقتصاد في ظل اعتماد قطاعات واسعة من غزة على شبكة الخدمات التي راكمتها أونروا على مدى عقود، في الصحة والتعليم والإغاثة والحماية والمياه والنظافة والدعم النفسي والاجتماعي.
تصفية تدريجية
ويرى الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران أن تهميش أونروا لا يتعلق بمؤسسة إغاثية فحسب، بل ببنية خدمية واسعة يصعب تعويضها في وقت قصير.
ويقول الدقران لصحيفة "فلسطين" إن الوكالة تمتلك في قطاع غزة شبكة من المنشآت والكوادر والخبرات والعلاقات المجتمعية، وإن إضعافها لا يعني ببساطة استبدال منظمة بأخرى، بل قد يؤدي إلى فقدان منظومة متكاملة من الخدمات.
ويحذر من أن الخطر قد يأخذ شكل "تصفية تدريجية" للدور، تبدأ باستبعاد أونروا من آليات التخطيط والتنسيق، ثم تقليص التمويل والمسؤوليات، وصولًا إلى نقل خدماتها إلى مؤسسات أخرى دون ترتيبات انتقالية واضحة.
ويضيف أن نقل المسؤوليات لا يعني بالضرورة امتلاك الجهة البديلة للموظفين والمنشآت والتمويل والخبرة والقدرة التشغيلية نفسها، وهو ما قد يسبب فجوة في تقديم الخدمات.
ويشير الدقران إلى أن أهمية أونروا تظهر خصوصًا في القطاعات التي تمس الحياة اليومية للسكان، من الرعاية الصحية والتعليم إلى المياه والنظافة والإغاثة والحماية.
ويقول إن أي تقليص سريع لدورها قد ينعكس على عمل المراكز الصحية والفرق الطبية وخدمات الأمومة والطفولة والتطعيم، إضافة إلى برامج الدعم النفسي والاجتماعي والتعليم الطارئ.
كما يحذر من تداعيات محتملة على خدمات المياه وإدارة النفايات والنظافة العامة، وهي قطاعات ترتبط مباشرة بالصحة العامة ومنع انتشار الأمراض.
وبحسب الدقران، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: "من سيحل محل أونروا؟"، بل: هل يوجد أصلًا بديل يمتلك القدرة والتمويل والكوادر والبنية التحتية للوصول إلى العدد نفسه من السكان؟
ويرى الدقران أن مرحلة التعافي وإعادة الإعمار تحتاج إلى أوسع تنسيق ممكن، وأن أونروا يجب أن تكون جزءًا من أي نقاش يتعلق بالخدمات التي تقدمها حاليًا.
ويقول إن استبعاد الوكالة من التخطيط قد يؤدي إلى فقدان خبرة ميدانية واسعة، داعيًا إلى إشراكها إلى جانب وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الأهلية الفلسطينية والمؤسسات المحلية.
تجدر الإشارة إلى أن أونروا تأسست بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1949، وبدأت عملياتها عام 1950. تعمل في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا، وتقدم للاجئين خدمات أساسية تشمل التعليم، والرعاية الصحية، والإغاثة، والخدمات الاجتماعية، والحماية، والبنية التحتية، والمساعدات الطارئة. وتموَّل الوكالة بشكل شبه كامل من التبرعات الطوعية.
قضية اللاجئين وحقوقهم
من جانبه، يرى المختص في الاقتصاد خالد أبو عامر أن مستقبل الأونروا يجب ألا يناقش باعتباره ملفًا إداريًا أو سياسيًا فقط، لأن أي تغيير في دورها ستكون له انعكاسات مباشرة على حياة السكان.
ويقول أبو عامر لصحيفة "فلسطين" إن الحديث عن نقل خدمات أونروا إلى جهات أخرى يجب أن يسبقه تحديد واضح للجهة التي ستتولى كل خدمة، ومصادر التمويل، والبنية التحتية المطلوبة، ومصير الموظفين والمنشآت.
ويحذر أبو عامر من أن الانتقال السريع من دون ترتيبات واضحة قد يؤدي إلى فراغ في بعض الخدمات، خصوصًا في المناطق التي تعاني أصلًا من نقص حاد في البنية التحتية والموارد.
ويشدد أبو عامر على ضرورة الفصل بين مستقبل الخدمات التي تقدمها أونروا وبين قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم.
ويقول إن تقليص دور الوكالة لا ينبغي أن يتحول إلى مدخل لإعادة تعريف قضية اللاجئين أو التعامل معها باعتبارها ملفًا إنسانيًا فقط، لأن القضية تحمل أبعادًا سياسية وقانونية تتجاوز طبيعة الخدمات التي تقدمها الوكالة.
ويؤكد أن تغيير دور أونروا أو تقليص خدماتها لا يعني تلقائيًا انتهاء صفة اللاجئ أو سقوط حقوقه، محذرًا من أن تفكيك المؤسسة الخدمية من دون معالجة قضية اللاجئين قد يؤدي إلى فصل البعد الإنساني عن البعد الحقوقي والسياسي.
ويشدد الدقران على أهمية إشراك المجتمع المدني الفلسطيني في تحديد أولويات إعادة الإعمار، وعدم الاكتفاء بدوره كجهة منفذة للمشاريع.
ويعد أن نجاح أي خطة للتعافي يتطلب معرفة دقيقة باحتياجات السكان، ومشاركة المؤسسات التي تعمل فعليًا على الأرض، إلى جانب آليات واضحة للرقابة والمساءلة.
وتواجه أونروا قيودًا إسرائيلية متزايدة تشمل التشريعات التي تستهدف عملها، ومنع موظفيها الدوليين من دخول الأراضي الفلسطينية المحتلة، وعرقلة إدخال المساعدات إلى غزة، إضافة إلى قيود على الحركة والوصول إلى بعض منشآتها، ما يحد من قدرتها على تقديم خدماتها الإنسانية.

