بجانب ركام بيته المدمر وعلى بعد 500 متر فقط من "الخط الأصفر" جنوبي حي الزيتون بغزة، يغرس بلال الترك (25 عاما) حوضا من النعناع في بقعة رملية تحيط بخيمة زفافه.
في تلك المنطقة التي يتمدد فيها الاحتلال ليلتهم المزيد من الأراضي، ويخيم عليها صمت مطبق لا يكسره إلا أزيز طائرات "الكواد كابتر" والمسيّرات على مدار الساعة، وتغيب عنها مقومات الحياة، اختار الشاب أن يتزوج وأن يصنع بيتا من قماش.
تعود جذور قصة بلال إلى العاشر من أغسطس/آب 2025، حين أجبر القصف الإسرائيلي عائلته على النزوح نحو جنوب قطاع غزة. وعندما عاد، وجد عمارة العائلة التي كان يعيش فيها مع أسرته قد تحولت إلى ركام. يصف بلال تلك اللحظة لصحيفة "فلسطين": "لما رجعت في المرة الأخيرة لقيت العمارة رايحة، وتشردنا".
وأمام الشح الحاد في مستلزمات الإيواء، قررت العائلة توزيع أفرادها لتأمين مأوى يسترهم: استقر والداه وأخوه الأصغر في خيمة بعيدة خارج حي الزيتون، بينما بقي بلال وحده ليحصل على خيمة ثانية بجوار أطلال بيته المدمر.
ولم يكن الحصول على الخيمة أمرا يسيرا؛ إذ اضطر بلال لجمع ألواح الخشب بيديه من أسفل الركام ليرفع خيمته الخاصة، مضيفا إليها ما يشبه الغرفة القماشية لاستقبال الضيوف، إلى جانب أحواض النعناع التي زرعها ليصنع أجواء تشبه "البيت".
لكن قصة بلال ليست حالة معزولة في تلك البقعة المهددة؛ إذ تتكشف ظاهرة أعمق: 30 عريسا أقاموا أعراسهم في مخيمات المنطقة ذاته خلال ثمانية أشهر، وفق مدير المخيمات هناك سامي الضاش.
وعن قرار الزواج، يقول بلال إنه وزوجته لم يخوضا في نقاش التحديات المعقدة: "توكلنا على الله. هي سنة الحياة، نمشيها.. مش عارفين وين الدنيا رايحة، لكن الحياة لا تتوقف عشان خيمة".
يخوض العروسان يوميات محفوفة بالخوف؛ فبلال، فني الألومنيوم المتعطل عن العمل منذ ثلاث سنوات، لا يملك مصدر دخل ويعتمد على المساعدات وبسطة يبيع عليها ما تيسر له في سوق "السرايا" وسط مدينة غزة.
يقطع بلال أربعة كيلومترات يوميا مشيا من الثامنة صباحا ويعود عند السابعة مساء، لتستعر الهواجس المتبادلة: هي تقلق على سلامته في الطريق، وهو يحمل همها في غيابه.
لكن ما يزيد ضنك العيش، صعوبة نقل المياه إذا توفرت من الحين للآخر في ظل شحها.
ومع حلول السابعة مساء من كل يوم، تبدأ الرافعات العسكرية التابعة للاحتلال فيما يصفها بلال بـ"عمليات تمشيط" بالرصاص الحي الذي يمر فوق الخيمة بصفير متكرر.
"شريطة هي التي بتحمينا"، يصف بلال قماش الخيمة، مضيفا: "بيصحى الإنسان خائف وعايش في رعب.. في أي وقت ممكن الكواد كابتر ترمي قنبلة صوت أو صاروخا وكلنا نشرد أو نتصاوب، حاطط ايدك على قلبك لكن تعودنا".
وبالرغم من أن الخوف يرافقهما مع كل غروب، يصر العروسان على الصبر "لعند ما ربنا يفرجها"، متأملين في الحصول على "كرفان" صغير يقيهما حر الصيف وبرد الشتاء القادم، إلى أن تبدأ عجلات الإعمار بالدوران.
يتأمل بلال خيمته وشتلات النعناع الخضراء المتشبثة بالرمل، ثم يختتم حديثه بابتسامة ثبات تغلب الركام: "تأسيس الأسرة حق، ومن حق كل شاب فلسطيني أن يتزوج ويستقر ويصنع بيتا.. الحياة لن تتوقف، حتى لو كانت تحت شريطة قماش".
بجانب ركام بيته المدمر وعلى بعد 500 متر فقط من "الخط الأصفر" جنوبي حي الزيتون بغزة، يغرس بلال الترك (25 عاما) حوضا من النعناع في بقعة رملية تحيط بخيمة زفافه.
في تلك المنطقة التي يتمدد فيها الاحتلال ليلتهم المزيد من الأراضي، ويخيم عليها صمت مطبق لا يكسره إلا أزيز طائرات "الكواد كابتر" والمسيّرات على مدار الساعة، وتغيب عنها مقومات الحياة، اختار الشاب أن يتزوج وأن يصنع بيتا من قماش.
تعود جذور قصة بلال إلى العاشر من أغسطس/آب 2025، حين أجبر القصف الإسرائيلي عائلته على النزوح نحو جنوب قطاع غزة. وعندما عاد، وجد عمارة العائلة التي كان يعيش فيها مع أسرته قد تحولت إلى ركام. يصف بلال تلك اللحظة لصحيفة "فلسطين": "لما رجعت في المرة الأخيرة لقيت العمارة رايحة، وتشردنا".
وأمام الشح الحاد في مستلزمات الإيواء، قررت العائلة توزيع أفرادها لتأمين مأوى يسترهم: استقر والداه وأخوه الأصغر في خيمة بعيدة خارج حي الزيتون، بينما بقي بلال وحده ليحصل على خيمة ثانية بجوار أطلال بيته المدمر.
ولم يكن الحصول على الخيمة أمرا يسيرا؛ إذ اضطر بلال لجمع ألواح الخشب بيديه من أسفل الركام ليرفع خيمته الخاصة، مضيفا إليها ما يشبه الغرفة القماشية لاستقبال الضيوف، إلى جانب أحواض النعناع التي زرعها ليصنع أجواء تشبه "البيت".
لكن قصة بلال ليست حالة معزولة في تلك البقعة المهددة؛ إذ تتكشف ظاهرة أعمق: 30 عريسا أقاموا أعراسهم في مخيمات المنطقة ذاته خلال ثمانية أشهر، وفق مدير المخيمات هناك سامي الضاش.
وعن قرار الزواج، يقول بلال إنه وزوجته لم يخوضا في نقاش التحديات المعقدة: "توكلنا على الله. هي سنة الحياة، نمشيها.. مش عارفين وين الدنيا رايحة، لكن الحياة لا تتوقف عشان خيمة".
يخوض العروسان يوميات محفوفة بالخوف؛ فبلال، فني الألومنيوم المتعطل عن العمل منذ ثلاث سنوات، لا يملك مصدر دخل ويعتمد على المساعدات وبسطة يبيع عليها ما تيسر له في سوق "السرايا" وسط مدينة غزة.
يقطع بلال أربعة كيلومترات يوميا مشيا من الثامنة صباحا ويعود عند السابعة مساء، لتستعر الهواجس المتبادلة: هي تقلق على سلامته في الطريق، وهو يحمل همها في غيابه.
لكن ما يزيد ضنك العيش، صعوبة نقل المياه إذا توفرت من الحين للآخر في ظل شحها.
ومع حلول السابعة مساء من كل يوم، تبدأ الرافعات العسكرية التابعة للاحتلال فيما يصفها بلال بـ"عمليات تمشيط" بالرصاص الحي الذي يمر فوق الخيمة بصفير متكرر.
"شريطة هي التي بتحمينا"، يصف بلال قماش الخيمة، مضيفا: "بيصحى الإنسان خائف وعايش في رعب.. في أي وقت ممكن الكواد كابتر ترمي قنبلة صوت أو صاروخا وكلنا نشرد أو نتصاوب، حاطط ايدك على قلبك لكن تعودنا".
وبالرغم من أن الخوف يرافقهما مع كل غروب، يصر العروسان على الصبر "لعند ما ربنا يفرجها"، متأملين في الحصول على "كرفان" صغير يقيهما حر الصيف وبرد الشتاء القادم، إلى أن تبدأ عجلات الإعمار بالدوران.
يتأمل بلال خيمته وشتلات النعناع الخضراء المتشبثة بالرمل، ثم يختتم حديثه بابتسامة ثبات تغلب الركام: "تأسيس الأسرة حق، ومن حق كل شاب فلسطيني أن يتزوج ويستقر ويصنع بيتا.. الحياة لن تتوقف، حتى لو كانت تحت شريطة قماش".