أعتقد أن القراءة المتأنية لحركة التاريخ تضع "التطور العلمي النظري والتقني" في صدارة آليات تفسير حركة التاريخ، فالتطور التكنولوجي يغير يوميًا من البُنى والأطراف والتفاعلات، بل والقيم والمنظومات الفكرية. وفي سياق هذه الظاهرة أضع الفرضية المستقبلية التالية:
إن التطور التكنولوجي، بخاصة في الميدان العسكري، قد يصل بنا إلى أن تتمكن التنظيمات السياسية المسلحة من امتلاك تكنولوجيا متطورة في إطار أسلحة الدمار الشامل (النووي أو الجرثومي أو الكيماوي)، لتصبح هذه التنظيمات قادرة على ابتزاز الدول بمستوياتها المختلفة.
أما مؤشرات هذه الفرضية فهي:
أولًا: مشاعية المعرفة: فالمعلومات العلمية والهندسية (في المجالات الطبية والكيماوية والنووية) أصبحت متاحة في الجامعات والمواقع الإلكترونية وقواعد البيانات المتاحة، بل إن التسلل للمواقع والمختبرات، بل وأرشيفات الحكومات، وكل ما تكشفه العلوم السيبرانية، تعزز هذه المشاعية.
وعليه ستنتهي احتكارية المعرفة، والتي كانت تواريها الدول عن بعضها، بل وعن شعوبها، وهو ما يفتح الباب أمام التنظيمات للوصول إلى أسرار هذه الأسلحة المرعبة، ناهيك عن آلاف العلماء المستعدين للتعاون مع التنظيمات في هذا المجال، بغض النظر عن دوافع هذا التعاون.
ثانيًا: انخفاض تكلفة التكنولوجيا المتقدمة: تشير متابعة تكاليف إنتاج التكنولوجيات إلى أن الاتجاه العام لها هو تراجع التكلفة، فيمكن الإنتاج لتقنية معينة بعدد أقل من المواد المطلوبة أو كميات أقل من هذه المواد وبسرعة أكبر زمنيًا... إلخ. ويكفي تأمل الموبايل الذي يحتوي على -حسب بعض التقديرات- على أكثر من 10 أجهزة (راديو، تلفزيون، كاميرا، ساعة، منبه، تقويم، تلفون، الجي بي إس، الحاسوب، ... إلخ)، ولو حسبنا كمية المواد التي تم استخدامها في كل واحدة من هذه التقنيات سنجدها عشرات أضعاف ما تم استهلاكه في الموبايل، وهو ما يعني أننا نسير باتجاه ما وصفه العالم الأمريكي غراهام فوللر "بأننا في طريقنا لصناعة أي شيء من لا شيء"، وهو ما ييسر على التنظيمات كثيرًا من حيث إعداد البنية التحتية للإنجاز التكنولوجي.
ثالثًا: التطور في التكنولوجيا الحيوية: فمثلًا أصبحت أدوات الهندسة الوراثية أقل تكلفة وأكثر انتشارًا في المختبرات المدنية، وهو ما يعني إمكانية نقلها لأغراض غير مدنية.
وما يعزز ذلك هو أن الكثير من الابتكارات في الميادين العسكرية طورتها شركات مدنية خاصة.
رابعًا: تنامي قدرات التنظيمات السياسية المسلحة: وهو ما يتضح في أن بعض هذه التنظيمات أصبحت تمتلك ما كان حكرًا على الدول والجيوش النظامية، مثل الطائرات المسيرة، والحروب السيبرانية، والاتصالات المشفرة... إلخ.
خامسًا: انهيار بعض الدول: قد يسمح لتنظيمات بالسيطرة على موارد علمية أو صناعية لدى الدولة المنهارة، سواء كمختبرات أو مواد أو علماء... إلخ.
ومن المؤكد أن الدول -بخاصة الكبرى- تستشعر هذا الاحتمال الذي سيقود لنتائج منها:
1- لن تبقى الدولة هي المحتكر الوحيد لآلة العنف.
2- إن ردع التنظيمات أكثر تعقيدًا من ردع الدول، فالتنظيمات ليس لها كيان وجغرافيا محددة.
3- إن هذا التطور سيمتص جزءًا غير هين من نفقات الأمن والعمل الاستخباري.
4- احتمال توسيع الرقابة على الجامعات ومراكز الأبحاث والمختبرات.
5- من المرجح أن تميل الدول تدريجيًا إلى الاعتماد على التكنولوجيا أكثر من العنصر البشري، وهو ما يعني تقليص أعداد الجيوش.
6- إن تطور الظاهرة سيقود إلى اضطرابات اقتصادية تحركها تكاليف التأمين واضطراب الأسواق وارتفاع الإنفاق الأمني وتقييد الحريات... إلخ.
إن الضرورة العلمية تقتضي التمييز بين الاستقراء الخطي (ثبات الإيقاع للتغير التكنولوجي) وبين الاستشراف التحولي (Transformative)، الذي يقوم على ما يسمى تحول النماذج أو المسلمات (Paradigm Shift)، ونحن هنا نميل إلى التحول الذي سيأخذنا لمواجهات لم يعرفها العالم. ويكفي التأمل في الظواهر التالية:
1- أن هناك احتمالًا أن تزداد القدرة على امتلاك أسلحة دمار شامل بحكم قوانين التطور العلمي التي أشرنا لها.
2- انتقال بنية القوة من الاعتماد على المصانع الضخمة والموارد الكبيرة إلى الاعتماد تدريجيًا على التصميم والخوارزميات والأتمتة، وهو ما يقلل من ضرورات البنية التحتية بمعطياتها الحالية، لا سيما مع الميل إلى التصغير في التكنولوجيا (miniaturization)، كما أشرنا في نموذج الموبايل، وكما حلت المسيرة (Drone) تدريجيًا محل الطائرات الحربية، وكما حل الذكاء الاصطناعي محل الخبرة البشرية.
وما يجعل هذا التصور أقرب هو التسارع في الابتكارات والتطور التكنولوجي، وانتشارها، وهو ما جعل الباحث باري كيلمان يطلق عليه اسم "دمقرطة العنف"، أي مشاركة أكبر نسبة من الأفراد في إنتاج وممارسة العنف، وهو يرى أن التطور في العلوم الحيوية قد يمكن عددًا قليلًا من الأفراد من إحداث آثار كانت حكرًا للدول فقط.
وتكشف بعض الدراسات أن العديد من التنظيمات السياسية المسلحة تعمل في هذه الاتجاهات، بل إنها انتقلت من مفهوم أسلحة الدمار الشامل الشائع (WMD) إلى مفهوم (CBRN)، والتي تشمل: المواد الكيماوية (C)، والبيولوجية (B)، والإشعاعية (R)، والنووية (N).
وهنا نسأل: هل تفكر إسرائيل في احتمال أن تتمكن تنظيمات في المنطقة من امتلاك أيًّا من فروع (CBRN)؟ عندها ما هو الإجراء؟ وكيف ستتصرف دول المنطقة لو أصبح التحدي في هذا المجال قائمًا؟ إن إنتاج أسلحة بيولوجية أو كيماوية بإمكانيات ليست كبيرة وببنية تحتية أقل مما نتصور قادم، وبأسرع مما نعتقد، وهنا قد تصبح خريطة الصراع أكثر تعقيدًا، بل إن جغرافيا أطراف الصراع قد تصبح أقرب للأشباح... لكم أن تتخيلوا... ربما.

