حذّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من الانهيار المتسارع في منظومة إنتاج وتعبئة الأكسجين الطبي في قطاع غزة، مؤكداً أن الأزمة تمثل امتداداً مباشراً للانهيار المنهجي الذي طال المنظومة الصحية منذ بدء الإبادة الجماعية في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وأوضح المركز الحقوقي، في بيان، اليوم الاثنين، أن هذا الانهيار جاء نتيجة التدمير واسع النطاق للمرافق الصحية، وتعطيل قدراتها التشغيلية واستنزاف معداتها والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب القيود المفروضة على إدخال المعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة لإعادة تشغيل المنشآت الصحية وصيانتها.
وشدد على أن استمرار سلطات الاحتلال في منع إدخال محطات أكسجين جديدة وقطع الغيار اللازمة لإجراء أعمال الصيانة الوقائية والطارئة للمحطات القائمة، يؤدي إلى تفاقم المخاطر المحدقة بحياة المرضى والجرحى والمدنيين، ويهدد بتعطيل خدمات طبية وعلاجية منقذة للحياة، ولا سيما في ظل تزايد الاحتياجات الطبية وتراجع القدرة التشغيلية للمرافق الصحية.
ورأي أن إنقاذ منظومة إنتاج وتعبئة الأكسجين الطبي وإعادة تأهيل قدراتها الإنتاجية والفنية يتطلبان تدخلاً عاجلاً وفعالاً لضمان تزويدها بالمعدات وقطع الغيار والمواد اللازمة، وتمكين الطواقم الفنية من إجراء أعمال الصيانة والإصلاح، بما يكفل استمرارية خدمات الأكسجين الطبي وحماية الحق في الحياة والصحة والعلاج للمرضى والمدنيين في قطاع غزة.
وبحسب المهندس مازن العرايشي مدير عام الهندسة والصيانة في وزارة الصحة، فإن 12 محطة فقط من أصل 34 محطة لتوليد الأكسجين تعمل حاليا، فيما خرجت 22 محطة عن الخدمة.
وذكر العرايشي أن المحطات المتبقية تعمل فوق طاقتها التشغيلية وفي ظروف فنية بالغة التعقيد، في ظل استمرار الأعطال الميكانيكية والفنية وتراجع القدرة على إجراء أعمال الصيانة اللازمة.
وأوضح أن منظومة تعبئة أسطوانات الأكسجين تواجه أزمة مماثلة، إذ لا يعمل حالياً سوى 4 أجهزة من أصل 30 جهازاً مخصصة لتعبئة الأسطوانات، الأمر الذي يجعل قدرة القطاع الصحي على إنتاج الأكسجين وتعبئته وتوزيعه عرضة للانهيار في أي لحظة.
وحذّر العرايشي من أن توقف أي من المحطات المتبقية أو تراجع قدرتها على الإنتاج والتعبئة قد يؤدي إلى تعطيل خدمات طبية أساسية، والحد من قدرة المستشفيات على إجراء العمليات وتقديم الرعاية للحالات الحرجة، وتعريض حياة المرضى الذين يعتمدون على الأكسجين لخطر مباشر.
انهيار النظام الصحي
وربط المركز أزمة الأكسجين الحالية بأزمة تعرض النظام الصحي في غزة لتدمير واسع النطاق ومستمر، طال المستشفيات والمراكز الصحية وسيارات الإسعاف والمعدات الطبية والبنية التحتية الحيوية، وأدى إلى تراجع شديد في قدرة النظام الصحي على تقديم الخدمات الأساسية.
ووفق منظمة الصحة العالمية فإن 34 مستشفى من أصل 36 مستشفى في غزة، أي ما نسبته 94%، تعرضت للضرر، فيما تعمل 18 مستشفى، أي 50%، بشكل جزئي.
وشدد المركز على أنه لا يمكن فصل خروج 22 محطة أكسجين عن الخدمة عن التدمير الأوسع للبنية الصحية، موضحاً أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد المحطات التي دُمّرت أو تعطلت، وإنما أيضاً في تدمير القدرة المؤسسية والتقنية على صيانة وإصلاح ما تبقى منها.
وحذّر المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان من أن الخطر الذي يواجه المرضى في غزة لا يتمثل فقط في تدمير المنشآت الصحية، وإنما في التآكل المستمر للقدرة على تشغيل وإدامة ما تبقى منها، بما يحول الانهيار الصحي إلى عملية متواصلة تتراكم آثارها بمرور الوقت.
ونوه إلى أنه بموجب المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، تلتزم القوة القائمة بالاحتلال بضمان وتوفير الإمدادات الطبية اللازمة للسكان المدنيين، واتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على الخدمات الطبية والصحية والمستشفيات وضمان عملها. كما تشكل الأفعال التي تؤدي إلى إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالصحة مخالفة جسيمة بموجب المادة 147 من الاتفاقية.
واعتبر أن الحرمان من الأكسجين الطبي والعلاج المنقذ للحياة، ولا سيما عندما يترافق مع تدمير المنشآت الصحية وعرقلة وصول الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، قد يندرج، بحسب الوقائع والعناصر القانونية المتوافرة، ضمن الأفعال المحظورة بموجب المادة الثانية (ج) من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948، التي تحظر إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يُقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئياً.
ولذلك طالب المجتمع الدولي والدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية باتخاذ إجراءات فورية وفعالة للوفاء بالتزاماتها القانونية وضمان تنفيذ التدابير المؤقتة الصادرة عن محكمة العدل الدولية.
وطالب "إسرائيل" بصفتها القوة القائمة بالاحتلال، بوقف جميع الإجراءات التي تعيق عمل المنظومة الصحية، وضمان إدخال الأكسجين الطبي ومحطات إنتاجه وأجهزة التعبئة وقطع الغيار والمعدات الطبية والفنية بصورة عاجلة ومستدامة، وإعادة تأهيل وتشغيل مرافق إنتاج الأكسجين، وضمان حماية المستشفيات والمرضى والعاملين الصحيين وفقاً للقانون الدولي.