في 15 ديسمبر/كانون الأول 2023، خرج حاتم سمير فروانة من مكان إقامة زوجته وأطفاله، إذ كان يقدم واجب العزاء بوفاة والد زوجته، متجهًا إلى منزله على دراجته الهوائية.
وفي شارع الثلاثيني، أحد الشوارع الرئيسة في مدينة غزة، وتحديدًا مقابل مفترق شارع المغربي، تعرّض للاستهداف وأصيب في قدمه اليمنى، قبل أن ينقله أشخاص من المكان إلى المستشفى الأهلي العربي، المعروف باسم المستشفى المعمداني، في حي الزيتون جنوب مدينة غزة.
وفي الليلة نفسها، وفق رواية والده، اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى واقتادت الموجودين فيه، وكان حاتم من بينهم.
ومنذ ذلك الوقت، انقطع أثره. وبعد سنوات من الانتظار، ظهر مقطع فيديو يوثق، بحسب عائلته، لحظة استهدافه وسقوطه، ليعيد إلى الأسرة صورة ابنها ويفتح من جديد سؤالًا لم تجد له إجابة: أين حاتم؟
رحلة العزاء
كان حاتم قد ذهب إلى مكان وجود زوجته وأطفاله لتقديم واجب العزاء بوفاة والد زوجته، بعدما دمّر الاحتلال منزل الأسرة، وكانت زوجته موجودة لدى شقيقتها.
بعد انتهاء العزاء، استقل دراجته الهوائية وعاد باتجاه منزله. وفي شارع الثلاثيني، مقابل مفترق شارع المغربي، تعرّض للاستهداف الإسرائيلي.
بحسب رواية والده لصحيفة "فلسطين"، لم يكن حاتم عند منطقة السرايا كما اعتقد البعض، بل في شارع الثلاثيني، حيث أصيب أثناء عودته.
لحظة الإصابة
المقطع الذي انتشر حديثًا يُظهر رجلًا يقود دراجة هوائية قبل أن يتعرض للاستهداف ويسقط على الأرض.
تقول العائلة إن الرجل الظاهر في الفيديو هو حاتم، وإنه أصيب في قدمه اليمنى. وبعد إصابته، وصل إليه أشخاص من المنطقة ونقلوه إلى المستشفى المعمداني.
لم تكن الأسرة تعلم في تلك اللحظة أن حاتم نُقل إلى المستشفى، إذ حالت الظروف الميدانية وصعوبة الاتصالات دون وصول الخبر إليها سريعًا.
بعد نحو ثلاثة أيام، علمت العائلة بوجود حاتم في المستشفى، بعدما أخبرهم شخص يعرفه وشاهده هناك.
لكن وجوده في المستشفى لم يستمر طويلًا. وفق رواية والده، اقتحمت قوات الاحتلال المستشفى ليلًا، واقتادت جميع الموجودين فيه، وكان حاتم من بينهم.
يقول سمير فروانة: «في الليلة نفسها جاء جيش الاحتلال وأخذ كل الموجودين في المستشفى».
كانت تلك آخر معلومة مباشرة وصلت إلى العائلة عن مكان وجوده.
بحث طويل
بعد انقطاع أخباره، بدأت الأسرة البحث عنه عبر الجهات المعنية، وتواصلت مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمعرفة مصيره. لكنها لم تحصل على معلومة تؤكد مكان وجوده.
يقول والده: «تواصلنا مع الصليب الأحمر، لكنهم لم يردوا علينا»، مضيفًا أن الأسرة أُبلغت بأن اسم حاتم غير موجود.
وبقيت العائلة من دون إجابة واضحة: لا تعرف إلى أين اقتيد، ولا ما إذا كان قد بقي على قيد الحياة، ولا أين يمكن أن تبحث عنه.
اسم في السجن
لاحقًا، وصل إلى الأسرة خبر آخر.
قال شخص إنه سمع اسم «حاتم فروانة» في أحد السجون. لكنه لم يكن قد رأى حاتم، ولذلك لم تستطع العائلة التحقق من أن الاسم يعود إليه.
يقول والده: «قال لنا شخص إنه سمع اسم حاتم فروانة في السجن، لكننا لم نتأكد من أنه رآه».
ظل الخبر احتمالًا لا يمكن إثباته، لكنه منح الأسرة سببًا إضافيًا للتمسك بإمكانية أن يكون حاتم حيًا.
الفيديو
بعد سنوات من الغياب، ظهر المقطع الذي أعاد حاتم إلى ذاكرة عائلته.
شاهد سمير فروانة الفيديو الذي يوثق لحظة إصابة الرجل وسقوطه، ورغم أن وجهه لم يكن واضحًا بالكامل، يقول إنه تعرف إلى ابنه.
«رأيت الفيديو عندما سقط حاتم بعد إصابته، وكانت اللقطة قصيرة، لكنني أعرف ابني»، يقول.
ثم عادت الأسرة إلى الصور التي تحتفظ بها، وقارنت الملامح بما ظهر في الفيديو.
«كانت لدينا صور، وكان الشبه واضحًا جدًا»، يضيف الوالد.
لكن المقطع، رغم أهميته بالنسبة إلى الأسرة، لا يكشف ما حدث بعد نقل حاتم إلى المستشفى، ولا المكان الذي اقتيد إليه بعد ذلك.
أمل مؤجل
أعاد الفيديو إلى العائلة لحظة كانت قد غابت خلف سنوات من الانتظار، لكنه لم يحسم مصير حاتم.
ويتعامل والده مع الأمر بحذر، فلا يملك دليلًا يؤكد أنه ما زال حيًا، كما لا يملك ما يثبت وفاته.
يقول: «والله نحن لا نعرف. هو مفقود، ولا نعرف إن كان هو فعلًا أم لا، رغم أن الملامح تبدو واضحة».
ومع ذلك، أعاد ظهور الفيديو الأمل إلى الأسرة، وأعاد معها الرغبة في البحث عن إجابة جديدة.
«هذا هو الأمل بالله، ولا نعرف إلا عندما تصلنا معلومة مؤكدة»، يقول سمير.
انتظار الحقيقة
حاتم، المولود في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 1977، هو الابن الرابع لسمير فروانة من بين عشرة أبناء، وله زوجة وأطفال.
لم يمنح الفيديو العائلة نهاية لقصة حاتم، لكنه أعاد إلى الواجهة آخر لحظة معروفة له، وربط بين مكان إصابته، ونقله إلى المستشفى، ثم اختفائه بعد اقتحامه.
وبين خبر سُمِع عن وجود اسمه في أحد السجون، ومقطع فيديو تعتقد الأسرة أنه يوثق لحظة إصابته، لا تزال الحقيقة غائبة.
وفي انتظارها، يتمسك والده بالأمل: «إن شاء الله، الله كريم».