حذرت الباحثة والأكاديمية الفلسطينية الدكتورة أسماء الشرباتي من تداعيات مشروع "مصادر التعليم المفتوحة" على مستقبل المناهج الفلسطينية، معتبرة أن طرحه وتطبيقه في هذا التوقيت لا يمكن فصله عن الضغوط الدولية والاشتراطات المرتبطة بتمويل السلطة الفلسطينية.
وقالت الشرباتي إن الجهات الرسمية الفلسطينية تتساهل في ملف المناهج لصالح ما وصفته بـ"ملف استقرارها الوجودي"، في ظل الأزمات المتعددة التي تواجهها، محذرة من أن ذلك قد يأتي على حساب تمثيل الهوية الفلسطينية داخل العملية التعليمية.
وأوضحت أن فكرة التعليم القائم على المصادر المفتوحة قد تكون مفيدة من حيث المبدأ، لكنها تصبح خطرة عند التعامل معها بديلاً عن الكتاب المدرسي، خصوصاً في السياق الفلسطيني، حيث لا يمكن فصل التعليم عن الصراع على الرواية والهوية.
وأشارت إلى أن سرعة تنفيذ المشروع تثير تساؤلات بشأن مدى جاهزية النظام التعليمي، لافتة إلى أن المدارس تعاني أصلاً من تحديات تتعلق بانتظام الدوام، وأوضاع المعلمين، وضعف التدريب والبنية التحتية التكنولوجية. واعتبرت أن الانتقال إلى نظام تعليمي جديد بهذه السرعة يحتاج إلى تجريب أوسع ودراسة أكثر عمقاً قبل تعميمه.
وربطت الشرباتي بين المشروع والضغوط الدولية التي تعرضت لها المناهج الفلسطينية خلال السنوات الماضية، مشيرة إلى اشتراطات مرتبطة بالتمويل وتعديل الكتب المدرسية، وإلى استمرار المراجعات الدولية للمناهج الفلسطينية.
وقالت إن تبني خطاب "جودة التعليم" في هذه المرحلة قد يحجب أبعاداً سياسية أوسع، معتبرة أن السياق والبيئة والتوقيت تشير إلى مسألة تتجاوز تطوير التعليم، وتتصل بمحاولات التأثير في محتوى المناهج وطريقة تقديم الهوية الفلسطينية.
وأكد الشرباتي أنها لا تدافع عن المنهاج الفلسطيني الحالي بوصفه نموذجاً مثالياً، مشيرة إلى أن لديها انتقادات جوهرية لمضمونه وطريقة تمثيله للهوية الفلسطينية، لكنها ترفض في الوقت نفسه إلغاء الكتاب المدرسي بالكامل، معتبرة أن ذلك قد يفتح المجال أمام مصادر غير محددة لا تخضع لمرجعية وطنية واضحة.
وحذرت من أن اعتماد المصادر المفتوحة دون معايير واضحة قد يضع المعلمين أمام مسؤولية اختيار المحتوى بأنفسهم، في ظل نقص التدريب، وقد يدفع إلى الاعتماد على مصادر جاهزة عبر الإنترنت أو أدوات الذكاء الاصطناعي، من دون ضمانات كافية بشأن مضمونها أو اتساقها مع الأهداف التعليمية والوطنية.
وفي هذا السياق، رأت أن المناهج تمثل ساحة صراع على الهوية والرواية، مؤكدة أن الكتاب المدرسي ليس مجرد وسيلة لنقل المعرفة، بل أداة لتشكيل وعي الأجيال الجديدة وتحديد صورة الفلسطيني وتاريخه وعلاقته بأرضه.
واستندت الشرباتي إلى نتائج أطروحتها للدكتوراه حول "تمثلات الهوية الفلسطينية في الكتب المدرسية الفلسطينية: استراتيجيات الاحتواء والإقصاء"، والتي درست فيها كيفية تمثيل الفلسطيني واللاجئ والأسير والشهيد، إلى جانب حضور فلسطين في النصوص والصور والمضامين التعليمية.
وقالت إن دراستها أظهرت، بحسب تحليلها، وجود تهميش لبعض الفئات الفلسطينية، وتركيز على المعاناة الإنسانية أكثر من الفاعلية، إلى جانب تقديم فلسطين في بعض المواضع بوصفها "دولة" أكثر من كونها "وطناً".
وشددت على أن انتقاد المناهج من الداخل أمر صحي وضروري، لكنها دعت في المقابل إلى الحفاظ على الكتاب المدرسي وتطويره من خلال مراجعة فلسطينية أكاديمية ومجتمعية، بدلاً من إلغائه والانتقال إلى نظام قد يجعل مصادر المعرفة التعليمية مفتوحة وغير محددة.
وختمت الشرباتي بالتحذير من أن الفلسطينيين، بعد نحو 26 عاماً من تدريس منهاج فلسطيني بأقلام فلسطينية، قد يعودون إلى نقطة الصفر، إذا أصبح التعليم معتمداً على مصادر يحددها الآخر، معتبرة أن الحفاظ على الرواية والهوية الفلسطينية داخل التعليم مسؤولية لا ينبغي أن تخضع لضغوط التمويل أو الحسابات السياسية.