أكد مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق، والخبير في شؤون الاستيطان د. خليل تفكجي، أن ما يجري في الضفة الغربية والقدس المحتلتين لم يعد مجرد سلسلة من الإجراءات المنفصلة، بل أصبح يمثل منظومة إسرائيلية متكاملة تتداخل فيها مشاريع الاستيطان، وعنف المستوطنين، والاقتحامات والمداهمات العسكرية، والحواجز، ومصادرة الأراضي، بهدف إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي وتهيئة الأرض لفرض الضم وما تسمى "السيادة الإسرائيلية".
وقال تفكجي لصحيفة "فلسطين" أمس إن دولة الاحتلال تعمل على تحويل الضفة الغربية إلى مجموعة من الجيوب الفلسطينية المعزولة، تحيط بها المستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق العسكرية والأراضي المصادرة، في حين يجري تكريس القدس المحتلة باعتبارها مركزًا لهذه المنظومة.
وأضاف أن الهدف لا يقتصر على توسيع مساحة المستوطنات، بل يتعداه إلى قطع التواصل الجغرافي بين المدن والبلدات الفلسطينية، والسيطرة على مصادر المياه والمرتفعات والطرق الرئيسية، ومنع أي إمكانية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وعاصمتها القدس.
وأوضح تفكجي أن من أبرز المشاريع الاستيطانية الأخيرة المخطط الهيكلي الواسع جنوب شرقي مستوطنة تقوع في محافظة بيت لحم، والذي يستهدف نحو ستة آلاف دونم من الأراضي الفلسطينية، إلى جانب الطريق الاستيطاني الجديد على أراضي بتير وبيت جالا.
وأشار أيضًا إلى مخططات الاستحواذ على أكثر من سبعة آلاف دونم في منطقة النبي موسى بمحافظة أريحا، وتهديد أكثر من ألف وتسعمئة دونم في بيت لحم بالعزل لصالح مستوطنة أفراتا، فضلًا عن إجراءات تسجيل الأراضي والأوامر العسكرية التي تُستخدم لتثبيت السيطرة على مساحات واسعة من الضفة الغربية.
وبيّن تفكجي أن هذه المشاريع تتكامل مع توسيع البؤر الاستيطانية وربطها بشبكة من الطرق والحواجز، بما يخلق واقعًا جديدًا على الأرض قبل الإعلان الرسمي عن الضم.
وأشار إلى أن تقرير مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وثّق التقدم في إنشاء أو إقرار 37 الف وحدة استيطانية في شرقي القدس المحتلة، ونحو 27 ألف وحدة في بقية أنحاء الضفة الغربية، فضلًا عن إنشاء 84 بؤرة استيطانية جديدة، وهي مؤشرات تكشف سرعة التحول من الاستيطان المتناثر إلى منظومة سيطرة إقليمية مترابطة.
وشدد على أن إرهاب المستوطنين يؤدي وظيفة جغرافية وسياسية واضحة، إذ يستهدف القرى والتجمعات البدوية والمزارعين ومواسم الحصاد والمنازل والممتلكات، ويدفع السكان إلى ترك أراضيهم تحت وطأة الخوف والحصار والاعتداءات المتكررة، ثم تُستخدم مغادرتهم ذريعة للاستيلاء على الأراضي وإقامة بؤر استيطانية جديدة أو شق طرق أو إنشاء مناطق عسكرية.
وأكد أن الحصار المفروض على القرى والبلدات الفلسطينية، وإغلاق مداخلها، ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، والاقتحامات الليلية والاعتقالات، كلها أدوات ضغط منظمة تستهدف تفريغ الأرض من سكانها الأصليين، وليست مجرد إجراءات أمنية مؤقتة.
وأضاف تفكجي أن حكومة بنيامين نتنياهو لا تكتفي بتوفير الغطاء السياسي للمستوطنين، بل تواصل تشريع البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات ونقل الصلاحيات المدنية والأمنية بما يعزز دمج المستوطنات في منظومة الحكم الإسرائيلية.
شرعنة الاستيطان
وعد أن القرار الأخير بنقل صلاحيات ما يسمى "إنفاذ القانون" في المستوطنات من الجيش إلى شرطة الاحتلال، يعكس اتجاهًا واضحًا نحو شرعنة الاستيطان وتثبيت السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وحذر مدير دائرة الخرائط والمساحة في بيت الشرق من تسارع الإجراءات الإسرائيلية الرامية إلى فرض ما تسمى "السيادة"، مؤكدًا أن استمرار مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وتغيير أنظمة الإدارة والقانون، وإطلاق يد المستوطنين، وتقويض صلاحيات المؤسسات الفلسطينية، سيؤدي إلى تقويض أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية مستقلة ومتواصلة جغرافيًا.
وقال إن الخطر لم يعد يتمثل في مشروع استيطاني واحد، بل في إعادة هندسة الضفة الغربية والقدس المحتلة بحيث يصبح الاحتلال واقعًا دائمًا، ويغدو الحديث عن حل الدولتين غطاءً سياسيًا لضم فعلي يجري تنفيذه على مراحل.
ودعا تفكجي المجتمع الدولي إلى الانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات عملية توقف الاستيطان وتحمي السكان الفلسطينيين وتضمن مساءلة المسؤولين عن الاعتداءات ومصادرة الأراضي، مؤكدًا أن حماية القرى والبلدات الفلسطينية والحفاظ على الوجود الفلسطيني في القدس والضفة الغربية يشكلان أولوية عاجلة لمنع اكتمال مشروع الضم وتغيير هوية المكان وسكانه.