لم يكن يوسف خليفة يعرف حين كان يروي تفاصيل أصعب المشاهد التي عاشها خلال عمله مسعفًا في الدفاع المدني الفلسطيني، أن حديثه عن الموت سيصبح بعد أشهر شهادةً من الذاكرة على واحدة من أبشع الجرائم التي طالت فرق الإنقاذ والإسعاف في قطاع غزة.
كان يتحدث بهدوء عن الأطفال الذين حملهم بين ذراعيه، والبيوت التي تحولت بفعل القصف إلى أكوام من الركام، وعن أجساد انتشلها من تحت الأنقاض، في حين كان يحاول أن يفصل بين واجبه المهني وما تتركه تلك المشاهد في داخله.
لكن في 23 مارس/ آذار 2025، توقفت رحلة يوسف عند مشهد آخر؛ لم يعد فيه مسعفًا يحمل المصابين إلى المستشفى، بل أصبح واحدًا من الذين ينتظرون من يأتي لانتشال جثمانه.
يوسف، البالغ (41 عامًا)، التحق بجهاز الدفاع المدني عام 2009، وعمل ضابط إسعاف طوال سنوات خدمته، وهو لاجئ من بلدة يِبنا المهجّرة عام 1948، ومتزوج وأب لخمس بنات: فاطمة الزهراء، ولين، وأرجوان، وريتال، وأسِيل.
لم يكن ينظر إلى عمله باعتباره وظيفة تؤمّن له مصدر رزق، كما يقول زميله أحمد رضوان، بل كان يراه رسالة إنسانية سعى إليها حتى حصل عليها، ثم واصل تطوير نفسه من أجلها، فالتحق بدورات متخصصة في الإسعاف والطوارئ، وحصل على دبلوم مهني في الإسعاف الأولي والطوارئ من الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية.
كان يوسف يقول عن مهنته: "عملي صعب جدًا ويحتاج إلى الإخلاص والتفاني والأمانة"، مستندًا في رؤيته لواجبه إلى قوله تعالى: "ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا".
إنقاذ الناجي الوحيد
في مقابلة سابقة أجرتها معه صحيفة "فلسطين" خلال الحرب، كان يوسف يستعيد أكثر المشاهد قسوة في عمله، لم يكن بحاجة إلى كثير من التفكير عندما سُئل عن المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته؛ فمعظم ما كان يراه في الميدان كان مرتبطًا بالأطفال.
قال: إن "أغلب الإصابات التي تعامل معها كانت لأطفال، وإن من بين المشاهد التي لم يستطع نسيانها قصة الطفل هاني قشطة، الذي كان يبلغ ستة أشهر فقط عندما استُهدف منزل عائلته".
كان هاني الناجي الوحيد من المنزل، بحسب رواية يوسف آنذاك، لكنه وصل إلى لحظاته الأخيرة.
حمله يوسف إلى سيارة الإسعاف، وبدأ بمحاولة إنعاش قلبه ورئتيه طوال الطريق إلى مستشفى النجار، ظل يقاوم الموت بكل ما يملك من خبرة وإصرار، لكن الطفل وصل إلى المستشفى في حالة حرجة، ولم يتمكن الأطباء من إنقاذه.
"شعور صعب جدًا.. صعب"، قال يوسف عندما سألته عن إحساسه في تلك اللحظة.
كان يعرف أن الموت أصبح جزءًا من يوميات عمله، لكنه لم يستطع أن يتعامل معه كأمر عادي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال.
كان يقول: إن أصعب ما يمكن أن يراه المسعف هو منزل كان قائمًا قبل دقائق، ثم تحول بفعل القصف إلى كومة من الركام، بينما يبقى عليه أن يبحث بين الحجارة عمن يمكن إنقاذه.
وتحدث عن أطفال قد تقذفهم قوة الانفجار عشرات أو مئات الأمتار بعيدًا عن منازلهم، ثم يصل المسعفون إليهم ليجدوا في أجسادهم بقايا حياة يحاولون التشبث بها.
وكان "الكيس الأبيض"، كما وصفه يوسف، واحدًا من أكثر المشاهد مأساوية في عمله.
قال: إن الناس عندما يرون المسعفين يحملون كيسًا أبيض يعتقدون أحيانًا أنه يحتوي جثمان شخص واحد، لكن الكيس قد يحتوي أشلاء أربعة أو خمسة أشخاص، جمعت من موقع قصف واحد.
كان يوسف يتحدث عن هذه التفاصيل دون أن يخفي ثقلها النفسي، وعن كبار السن الذين يجدهم المسعفون محاصرين داخل منازلهم بعد اشتعالها، وعن النساء والأطفال والجرحى الذين تركتهم الحرب خلفها.
احتضن الأطفال
بالنسبة إلى زميله أحمد رضوان، لم تكن شخصية يوسف تختصر في مهارته كمسعف.
يقول رضوان: إنهما تقاسما ساعات العمل، وإن ما جمعهما لم يكن العمل وحده، بل الحالة الإنسانية والواجب الأخلاقي والوطني.
يتذكره باعتباره رجلًا خلوقًا وأمينًا وصادقًا، طيب القلب ومعطاء، يحب مساعدة الناس، ولا يتأخر عن تلبية نداءات الاستغاثة، سواء كان ذلك خلال ساعات عمله أو خارجها.
ويقول: إن يوسف كان يحب العمل بروح الفريق، ولم يحصر نفسه في مهمة الإسعاف وحدها، بل شارك مع أقسام الإنقاذ والإطفاء، وكان حاضرًا حيث يحتاجه الناس.
لكن صورة واحدة بقيت الأكثر حضورًا في ذاكرة رضوان، كانت بعد قصف منزل عائلة الغول في حي تل السلطان في مدينة رفح.
كانت فرق الإنقاذ قد أخرجت أطفالًا من تحت الركام، وبينما كان الجميع يحاول التعامل مع المشهد، حمل يوسف طفلين واحتضنهما كما يحتضن الأب أبناءه.
كان رضوان يحمل الكاميرا في تلك اللحظة، لكنه لم يتمالك نفسه.
يقول: إنه شعر بتأثر شديد ودمعت عيناه، فوضع الكاميرا جانبًا واتجه لمساعدة يوسف، قبل أن يعود لاحقًا لتوثيق المشهد، حتى لا يختفي من ذاكرته وذاكرة هاتفه.
منقذون في قافلة الموت
فجر 23 مارس/ آذار 2025، كان يوسف ضمن طواقم الطوارئ التي تحركت في منطقة تل السلطان، غرب مدينة رفح، في مهمة إنسانية لانتشال شهداء وإسعاف مصابين.
كانت القافلة تضم أربع سيارات إسعاف تابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، وسيارتين للدفاع المدني، ومركبة تابعة لوكالة الغوث "أونروا"، لكن المهمة تحولت إلى مجزرة.
تعرضت القافلة لإطلاق نار إسرائيلي، ما أدى إلى مقتل مسعفين واعتقال الناجي منذر عابد، الذي قال لاحقًا إنه تعرض للاحتجاز والتعذيب قبل الإفراج عنه.
وحين حاولت طواقم أخرى الوصول إلى المكان وانتشال زملائهم، تجدد إطلاق النار، وانقطع الاتصال بعدد من أفراد الطواقم، في حين فُقدت سيارات إسعاف أخرى، وبقي مصير يوسف وزملائه مجهولًا لأيام.
وتعثرت محاولات الوصول إليهم بسبب استمرار إطلاق النار، حتى تمكن فريق تابع للأمم المتحدة من الوصول إلى المنطقة في 27 مارس، ليعثر على مركبات الطوارئ مدمرة ومدفونة جزئيًا تحت الركام، وفي اليوم التالي عثر الدفاع المدني على جثمان أحد عناصره قرب مركبته المحترقة.
وفي 30 مارس، كُشف عن مقبرة جماعية ضمت جثامين 14 من عمال الإسعاف والدفاع المدني، إضافة إلى موظف أممي، قبل أن تُستكمل عمليات انتشال الضحايا.
كان يوسف واحدًا من خمسة عناصر في جهاز الدفاع المدني الذين قتلهم جيش الاحتلال الإسرائيلي في المجزرة.
وتحدثت اللجنة الدولية للصليب الأحمر عن العثور على جثامين 15 شخصًا بينهم ثمانية من الهلال الأحمر وخمسة من الدفاع المدني وموظف من وكالة "أونروا".
لاحقًا، ظهرت أدلة مصورة من هاتف أحد المسعفين، وأظهرت المركبات وهي تحمل علامات الإسعاف وأضواء الطوارئ، فيما أظهرت التحقيقات الصحفية تفاصيل عن إطلاق النار على القافلة، كما أقر جيش الاحتلال الإسرائيلي لاحقًا بوقوع "أخطاء ميدانية" في الحادثة، بعد أن كان قد قدم روايات مختلفة حول ملابساتها.
أب لن يعود
في بيت يوسف، لم يعد هناك مسعف يعود بعد انتهاء المناوبة، ولا أب يحمل معه ضحكات الميدان وقصصه.
هناك خمس بنات فقدن والدهن: فاطمة الزهراء ذات الخمسة عشر عامًا، ولين ذات الثالثة عشرة، وأرجوان ذات الحادية عشرة، وريتال سبعة أعوام، وأسيل التي لم تكن قد تجاوزت ثلاث سنوات ونصف.
ويقول رضوان: إن "أكثر ما يتذكره الناس عندما يذكرون يوسف هو ضحكته البشوشة، كان لينًا في تعامله مع الجميع، بلا خصومات أو خلافات، ومحبوبًا بين زملائه وكل من عرفه".
كان يقول: إن قدوته الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك كان يسعى إلى أن تكون أخلاقه انعكاسًا لما يؤمن به.
رحل يوسف، لكن صورته بقيت؛ مسعفًا يحمل طفلًا من تحت الركام، وأبًا يحتضن طفلًا غريبًا كما لو كان واحدًا من بناته.
وقبل أن يصبح هو نفسه جثمانًا في مقبرة جماعية، كان يوسف قد اختار موقعه في هذه الحرب منذ اليوم الأول: بين الناس، في أكثر الأماكن خطرًا، حيث يهرب الآخرون من الموت، كان هو ورفاقه يذهبون إليه لإنقاذ من بقي حيًا، إلى أن أصبح أحد ضحايا الإبادة.