في مدرسةٍ تحولت إلى مأوى للنازحين في غزة، يقضي كريم أبو عمشة، البالغ من العمر 28 عامًا، أيامه ولياليه على سريرٍ مؤقت، محاطًا بأوجاع لا تهدأ واحتياجات لم يعد قادرًا على تلبيتها بنفسه.
بالقرب منه دورات المياه، وتتصاعد روائح الصرف الصحي، في حين يحاصر البعوض والحشرات المكان الذي أصبح منزلًا قسريًا له ولعائلته.
لكن أكثر ما يؤلمه ليس فقط مكان إقامته، بل ذلك اليوم الذي خرج فيه بحثًا عن الطعام لأطفاله الأربعة، فعاد مصابًا برصاصة في ظهره غيّرت حياته بالكامل.
في التاسع من أغسطس/آب 2025، خرج كريم إلى نقطة للمساعدات القادمة عبر "المقاطير"، على أمل العودة بما يسد جوع أطفاله، في وقت كان فيه المجاعة تثقل حياة أهالي قطاع غزة.
لم يكن يعلم أن طريقه إلى الطعام سيقوده إلى رحلة طويلة مع الإصابة والألم والانتظار، يقول كريم لصحيفة "فلسطين" مستعيدًا تفاصيل ذلك اليوم: "كان شقيقي برفقتي، وفجأة بدأ إطلاق نار كثيف من الآليات الإسرائيلية المترصدة باتجاه المواطنين الذين تجمعوا للحصول على المساعدات، أصبت في ساعات العصر، وسقطت في مكاني، ولم أستطع الحركة".
لم تكن الإصابة مجرد لحظة ألم عابرة، فقد اخترقت الرصاصة ظهره، وأصبح كريم عاجزًا عن الوصول إلى مكان آمن، بقي ملقى على الأرض لساعات، بينما كان شقيقه يحاول الاستغاثة وطلب المساعدة من الموجودين حوله.
يضيف: "شاهدت شقيقي وهو يرجو الناس أن يساعدوه في حملي وإسعافي، لكنه اضطر في النهاية إلى الانسحاب بعدما ظن أنني استشهدت، خصوصًا بعد أن فقدت الوعي".
غاب كريم عن الوعي لنحو عشر دقائق، وعندما فتح عينيه، لم يجد أحدًا إلى جواره، كان وحيدًا، ينزف، وغير قادر على الحركة.
"مالك طولت عليا.."
مرت الساعات ثقيلة، حتى بلغ بقاؤه في المكان نحو عشرين ساعة، لم يكن يملك سوى الانتظار، في حين كان جسده يزداد إنهاكًا من النزيف والألم.
مع حلول السابعة صباحًا، وصل شقيقه برفقة والده إلى المكان، ولم يصدقا أن كريم ما زال حيًا، كانا يعتقدان أنه فارق الحياة منذ ساعات، لكن كريم فتح عينيه وقال لشقيقه: "مالك طولت عليّ؟"
حمله شقيقه ووالده، ونقلاه إلى مستشفى الشفاء، حيث خضع لفحوص وتصوير مقطعي أظهر حجم الضرر الذي أحدثته الرصاصة.
كانت للرصاصة فتحة دخول وخروج، لكنها تركت خلفها إصابة بالغة في العمود الفقري؛ إذ تسببت بكسر في إحدى فقرات الظهر وتفتت عظمي، إلى جانب أضرار في النخاع الشوكي وضغط على الخلايا العصبية.
ومنذ ذلك اليوم، يعيش كريم على أمل إجراء عملية جراحية عاجلة، إذ يؤكد أن الأطباء أخبروه بأن استمرار التأخير قد يؤدي إلى تفاقم الأضرار.
وبعد نحو شهرين من الإصابة، حصل على تحويلة طبية للعلاج، لكنه ما زال ينتظر، من دون أن تصله الموافقة التي تمكنه من استكمال علاجه خارج القطاع.
ويتابع حديثه: "أنا أنتظر منذ ذلك الوقت، وكل يوم يمر أشعر أن إصابتي تزداد سوءًا، العملية بالنسبة لي ليست رفاهية، أنا بحاجة إليها حتى لا أخسر المزيد من قدرتي على الحركة".
"ما بحس بالوجع إلا صاحبه"
قبل الإصابة، كان كريم عاملًا بسيطًا يعمل بأجر زهيد، لكنه كان يرى في ذلك العمل وسيلة لحماية أطفاله الأربعة وتأمين احتياجاتهم الأساسية، أما اليوم، فقد أصبح عاجزًا عن العمل، وعاجزًا عن الاعتماد على نفسه في كثير من تفاصيل حياته اليومية.
يصمت قليلًا، ثم يقول: "ما بحس بالوجع إلا صاحبه. أنا كنت أطلع على شغلي وأرجع لأطفالي، اليوم أنا محتاج لحدا يساعدني حتى في أبسط الأشياء".
ولا يقتصر احتياجه على العملية الجراحية؛ فكريم بحاجة مستمرة إلى جلسات العلاج الطبيعي للحفاظ على قدميه من التيبس ومساعدته على إبقاء ما تبقى من قدرته الحركية، حاول الاستعانة بأخصائي علاج طبيعي، وتمكن من تلقي عدة جلسات، لكنه اضطر إلى التوقف بعدما عجز عن دفع تكاليف العلاج.
كما يحتاج باستمرار إلى أكياس البول والحفاضات الطبية والمسكنات، وهي احتياجات يومية بات توفيرها عبئًا إضافيًا على عائلته.
وفي المدرسة التي نزح إليها، لا يجد كريم مكانًا ملائمًا لحالته الصحية، يعيش بالقرب من دورات المياه، وسط روائح الصرف الصحي والبعوض والحشرات، فيما يواجه الليل بألم يمنعه من النوم.
ويكمل: "أنا لا أطلب حياةً مرفهة، أريد فقط أن أتعالج، وأن أستطيع الجلوس أو الحركة دون هذا الألم، وأن أعود قادرًا على خدمة أطفالي بدل أن أصبح عبئًا عليهم".
وبينما يمضي الوقت، يكرر كريم أن ما يحتاجه اليوم ليس سوى فرصة للعلاج؛ فرصة تعيد إليه بعضًا من قدرته على الاعتماد على نفسه، وتمنحه إمكانية العودة إلى أطفاله لا كأب ينتظر من يمد له يد العون، بل كأب يستطيع أن يقف إلى جانبهم من جديد.

