لم تعد الحروب الحديثة تُحسم فقط في الميدان؛ فقد أصبحت المعركة على الوعي والإدراك موازية للمعركة على الأرض. وفي هذا السياق، تبرز الصحافة العبرية، في بعض تغطياتها وتحليلاتها، بوصفها طرفًا في منظومة أوسع لإدارة الإدراك وصناعة التوقعات وتوجيه السلوك. ومن هنا يمكن القول إن الخبر لم يعد مجرد نقل للوقائع، بل أداة ضغط نفسي ورسالة سياسية قد تتحول إلى "طلقة من نوع آخر".
وتشير المعطيات التي تناولتها الدراسة إلى أن المسألة لا تتعلق بصدق الخبر أو كذبه، بقدر ما تتعلق بالطريقة التي يُصاغ بها، وما يُراد للجمهور أن يراه أو يغفله. ولعل من المناسب أن ننظر إلى هذه التغطيات بوصفها محاولة لصناعة بيئة إدراكية يشعر فيها الخصم بأن خياراته تضيق، وأن الزمن يعمل ضده، وأن الحرب أقرب إلى القدر منها إلى القرار السياسي.
ومن زاوية أخرى، لا تمارس هذه الوظيفة دائمًا عبر خطاب صاخب ومباشر؛ فقد تأتي في صورة تحليل عسكري رصين، أو تسريب استخباري، أو معلومات منسوبة إلى مسؤولين مجهولين، أو قراءة لحركة حاملة طائرات. وهنا لا بد من بيان أن خطورة الحرب الإعلامية الحديثة تكمن في أنها لا تقدم نفسها بوصفها دعاية، بل ترتدي ثوب التحليل والخبرة والمعلومة الاستخبارية.
ولتوضيح ذلك، يمكن العودة إلى مقالات تناولت التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية تجاه إيران. ففي أحد التحليلات، جرى توجيه الانتباه من إخفاقات الردع السابقة إلى ما سُمّي "دبلوماسية البوارج"، بحيث أصبحت حركة حاملات الطائرات مفتاحًا لتفسير النوايا السياسية. وبناءً على ذلك، ينتقل القارئ من سؤال "ماذا حدث ولماذا فشل؟" إلى سؤال "متى ستبدأ الحرب؟"، وكأن المسار العسكري أصبح مرسومًا سلفًا.
وهذا ما يقود إلى واحدة من أهم قواعد الحرب النفسية: التحكم في الانتباه. فمن يملك تحديد الموضوع الذي يفكر فيه الجمهور يستطيع، إلى حد بعيد، التأثير في النتيجة التي يصل إليها. وفي المقابل، حين ينشغل الجمهور بحركة الأساطيل وحجم القنابل والمهل الزمنية، قد لا يلتفت بالقدر نفسه إلى كلفة الحرب أو احتمالات فشلها أو التناقضات السياسية المحيطة بها.
ومن هذا المنطلق، تتكشف قاعدة أخرى هي التوقيت بوصفه أداة ضغط على القرار. فقد ركزت المقالات على رمضان وعيد النوروز والمواعيد السياسية والمهل الزمنية باعتبارها نقاطًا يتحول فيها الضغط النفسي إلى عامل مؤثر في حسابات الخصم.
وفي ظل تلك الظروف، لا تكون الرسالة أن الحرب ممكنة فحسب، بل أن الوقت ينفد، وأن الطرف المقابل إذا لم يقرر الآن فقد يستيقظ على واقع جديد. وهذا ما تسميه الدراسة وضع صانع القرار تحت "الزمن القاتل".
وعلى النقيض من ذلك، لا تكتفي الحرب النفسية بتخويف الخصم، فهي تعمل في الاتجاه المعاكس لطمأنة الجمهور الداخلي وإزالة الخوف من النتائج. وفي هذا السياق، ظهرت مقالات قلّلت من حجم التهديد الإيراني في مقابل تضخيم القدرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. فبينما يحتاج الجمهور الإسرائيلي إلى رسالة تقول إن الصواريخ ليست سببًا للذعر، وإن التفوق التكنولوجي سيحسم المعركة، يُرسل إلى الخصم ما يوحي بأن القوة المقابلة هائلة، وأن كلفة المواجهة ستكون باهظة.
ونتيجة لتلك العوامل، تتشكل لعبة مزدوجة تقوم على تضخيم التهديد خارجيًا وتقليله داخليًا. وهذا التناقض ليس خللًا بالضرورة؛ فقد يكون جوهر العملية النفسية ذاتها.
ولعل من المناسب أن ننتقل إلى ما يمكن تسميته "التماسك السردي المفرط". فحين تُجمع التحركات العسكرية والتصريحات السياسية والتسريبات الاستخبارية والتوترات الداخلية في رواية واحدة شديدة الانسجام، يشعر القارئ بأن كل شيء يتحرك وفق سيناريو محدد.
ومن الرؤى الشائعة كذلك أن الحشد العسكري والمفاوضات المتعثرة والضغوط الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية كلها مؤشرات تفضي إلى نتيجة حتمية واحدة: الحرب تقترب.
وهنا لا بد من بيان أن السياسة والحرب لا تسيران بهذه الميكانيكية؛ فهناك دائمًا عنصر المفاجأة والخطأ وسوء التقدير وتضارب المصالح واحتمالات الفشل. ولذلك فإن حذف هذه الاحتمالات من الرواية لا يجعلها أكثر صدقًا، بل أكثر قدرة على التأثير النفسي. وفي ضوء المعطيات السابقة، يمكن فهم الإغلاق المعرفي الذي تكرر في هذه المواد؛ فعندما تنتهي المقالة بخلاصة حاسمة توحي بأن الخيار العسكري هو الخيار المنطقي، أو أن الاستعداد للحرب بات أمرًا واقعًا، فإنها تغلق الباب أمام أسئلة بديلة: ماذا لو فشل الهجوم؟ ماذا لو كان الحشد مجرد ورقة تفاوضية؟ ماذا لو جاءت استجابة الخصم غير متوقعة؟ وماذا ستكون كلفة الحرب على الداخل الإسرائيلي؟
ومن زاوية أخرى، يمنح استخدام المصادر المجهولة، مثل "مسؤول عسكري رفيع" أو "تقديرات أمنية"، الرواية سلطة لا يستطيع القارئ اختبارها. وهكذا يتحول المجهول إلى مصدر يقين، وتصبح المعلومة غير القابلة للتحقق أكثر تأثيرًا من المعلومة التي يمكن مساءلتها. وهذا ليس تفصيلًا صحفيًا عابرًا، بل أداة من أدوات بناء السلطة المعرفية للحرب النفسية.
وإذا جمعنا هذه العناصر، فإننا أمام نموذج واضح لما يمكن تسميته إدارة الإدراك قبل إدارة المعركة؛ فالتحركات العسكرية لا تعمل وحدها، والتصريحات السياسية لا تعمل وحدها، والإعلام لا يعمل وحده. وفي هذا السياق، يجري تقديمها للجمهور في صورة مشهد واحد: بارجة تتحرك، ومسؤول يصرح، ومصدر أمني يسرّب، وصحيفة تحلل، ثم تتشكل لدى المتلقي قناعة بأن كل شيء منسق، وأن القرار العسكري أصبح قريبًا. وقد وصفت الدراسة هذا التزامن بين العسكري والسياسي والإعلامي بأنه أشبه بإخراج متقن لرسالة ردع موحدة.
وهنا لا بد من بيان أن ذلك لا يعني أن كل ما تنشره الصحافة العبرية تضليل. فالدراسة نفسها تؤكد أن مؤشرات كشف التضليل ليست أدلة قاطعة، وإنما أدوات لبناء الفرضيات وتوجيه التحليل.
وبناءً على ذلك، فإن المطلوب ليس رفض الإعلام العبري بالجملة، بل قراءة بنيته ووظيفته وسياقه ومصادره وتوقيته، والتمييز بين الخبر بوصفه معلومة والخبر بوصفه عملية تأثير.
لقد تغيرت طبيعة الحرب. فبعد أن كان الهدف العسكري تدمير قدرة الخصم على القتال، أصبح الهدف النفسي دفعه إلى تدمير خياراته بنفسه. يكفي أن يقتنع الخصم بأن الهجوم حتمي حتى يعيد ترتيب حساباته قبل وقوعه، وأن يعتقد أن ميزان القوى مختل بصورة ساحقة حتى يدخل المفاوضات من موقع أضعف، وأن يشعر بأن الزمن ينفد حتى يقدم تنازلات لم يكن ليقدمها في ظروف أخرى.
ومن هنا يمكن القول إن فلسفة الحرب النفسية في أبسط صورها لا تقتضي إطلاق النار دائمًا؛ بل يكفي أحيانًا أن تجعل خصمك يتصرف كما لو أن النار قد بدأت.
وفي ضوء المعطيات السابقة، تتبين المساحة التي ينبغي أن تحظى باهتمام أكبر في قراءة الإعلام العبري. فالمعركة ليست فقط فيما تقوله الصحيفة، بل فيما تريد أن يفكر فيه القارئ بعد أن ينتهي من قراءتها.
إنها معركة على ترتيب الأولويات، وعلى تعريف الممكن والمستحيل، وعلى صناعة الخوف والأمل، وعلى تحويل الاحتمال إلى حتمية والحشد إلى قدر.
وأخيرًا، فإن مواجهة هذا النوع من الحرب لا تكون بالصراخ المضاد ولا بإعادة إنتاج الدعاية في الاتجاه المعاكس، بل ببناء وعي نقدي مقاوم يقرأ الخبر في سياقه، ويفحص مصدره، ويتساءل عن توقيته، ويفكك لغته، ويميز بين المعلومة والتسريب، وبين التحليل والتوجيه، وبين الردع الحقيقي والاستعراض النفسي؛ فحين تنجح الدعاية في احتلال العقل قبل أن تحتل الأرض، تكون قد قطعت نصف الطريق نحو تحقيق أهدافها.