في مشهد يعكس الثبات والصمود، يسطر ضباط وعناصر جهاز الشرطة في قطاع غزة ملاحم يومية من التحدي والإصرار. ففي الوقت الذي تتعرض فيه المنظومة الأمنية والخدماتية لحملات إبادة واستهداف ممنهج من قوات الاحتلال، يخرج رجال الأمن من تحت ركام الميدان ليؤكدوا أن دماء قادتهم وزملائهم الشهداء هي وقود إضافي لمواصلة الواجب الوطني الإنساني في حفظ الجبهة الداخلية، وحماية المواطنين، وقطع الطريق على مخططات الفوضى والفلتان التي يسعى الاحتلال لفرضها بالقوة والنار.
يأتي هذا الصمود الأسطوري وسط أجواء من الحزن والفخر في آن واحد، عقب ارتقاء مدير شرطة محافظة غزة، العقيد جمال أبو كميل، شهيدا أول من أمس، في جريمة اغتيال استهدفت سيارته في منطقة الشيخ عجلين غرب مدينة غزة.
ولم يكن استشهاد العقيد أبو كميل حدثا عابرا في الذاكرة الأمنية والوطنية للقطاع، بل شكل صدمة موجعة لكل من عرفه، غير أنه قوبل برد فعل ميداني حاسم من رفاق دربه في جهاز الشرطة الذين تعاهدوا على ألا تزيدهم هذه الدماء إلا صلابة وتمسكا بأهدافهم المؤسسية والوطنية في خدمة أبناء الشعب الفلسطيني.
إصرار لا يلين
وفي هذا الميدان المشتعل، يجسد الضابط "م.ح" (45 عاما)، حالة الصمود الجمعي لرجال الأمن، مؤكدا بحزم وثبات أنه مستمر في أداء عمله الميداني والإداري رغم ملاحقة الاحتلال واستهدافه المباشر للكوادر الشرطية.
ويقول لصحيفة "فلسطين": "إن استشهاد القائد ومدير الشرطة جمال أبو كميل لن يكون إلا دافعا إضافيا لتعزيز العمل الأمني ورفع وتيرته، فرسالتنا واضحة ومستمرة في خدمة أبناء شعبنا المرابط تحت كل الظروف، ولن نسمح للمحتل بأن يحقق أهدافه الخبيثة في تعطيل حياة الناس".
من جهته، يوضح الشرطي "و.ق" (33 عاما) أن الواجب الأساسي الملقى على عاتقهم يتمثل في حفظ الأمن والاستقرار وتوفير الحد الأدنى من الطمأنينة للمواطنين في شوارع غزة المدمرة. وفي نبرة تحمل مطالبة حقوقية واضحة، يدعو الهيئات الدولية إلى ملاحقة ومحاسبة الاحتلال على جرائمه المتواصلة بحق الكوادر والأجهزة الشرطية التي لا شأن لها سوى حماية الجبهة الداخلية وتأمين المجتمع.
ويشدد في حديثه لصحيفة "فلسطين"، أن واجب الشرطة حماية المواطنين والحفاظ على الممتلكات العامة وتطبيق القانون وعدم السماح بنشر الفوضى والفلتان.
وفي السياق يؤكد النقيب "م.ر" (38 عاما)، أن استهداف الكوادر القيادية لن يؤدي إلا إلى رصف الصفوف ومضاعفة الجهود الميدانية لضمان استمرار العمليات الشرطية دون توقف.
ويشير في حديثه لصحيفة "فلسطين"، إلى أن غرفة العمليات لم تتوقف عن أداء مهامها حتى في أقسى لحظات التصعيد والقصف العنيف، مضيفا: "إننا نعمل في ظروف معقدة للغاية، حيث دمر الاحتلال معظم المقار والبنى التحتية، لكن إرادة رجال الشرطة تنطلق من عقيدة وطنية خالصة بأن حماية المواطن خط أحمر لا يمكن التنازل عنه أو السماح بالتفريط فيه تحت أي ظرف من الظروف".
إفشال مخطط الفراغ والفوضى المتعمدة
بدوره، يبين الملازم "م.ح" (33 عاما) خطورة المخطط الإسرائيلي وراء هذه الاغتيالات المتكررة، مؤكدا أن الاحتلال يتعمد استهداف أفراد وقادة الشرطة لإحداث فراغ أمني مدمر بغرض نشر الفوضى والفلتان وتفكيك النسيج الاجتماعي.
ويشدد قائلا: "لن نسمح للاحتلال وأعوانه بتحقيق هذه الغايات الدنيئة، فنحن جاهزون للبذل والتضحية متسلحين بإرادة شعبنا، ورغم قسوة التحديات والظروف المعيشية المتمثلة في عدم صرف رواتبنا لفترات طويلة، إلا أن الانتماء للوطن يظل البوصلة التي لا تضل طريقها".
من جانبه، يشير النقيب "إ.ب" (44 عاما)، إلى أن الدور الشرطي يتمثل في حماية المواطنين وتحقيق الأمن والاستقرار وتطبيق القانون.
ويقول: "إن استشهاد القادة يعمق في نفوسنا حجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا، فنحن لا نمثل جهازا أمنيا تقليديا فحسب، بل نحن حاضنة اجتماعية وخدماتية تلامس حياة الناس مباشرة، ودماء الشهداء من الكوادر ستظل منارة تضيء لنا طريق البذل والعطاء حتى ينكشف هذا الغمام".
وفي السياق ذاته، يرى الرائد "م.ش"، أن استشهاد العقيد جمال أبو كميل، ومن قبله كوكبة واسعة من ضباط وأفراد الجهاز، ليس سوى "ضريبة النصر والتحرير"، مجددا التذكير بأن جهاز الشرطة هو جهاز مدني بحكم القانون الدولي والإنساني، ويجب توفير الحصانة له لا تحويله إلى بنك أهداف مشروع.
وهو ما يؤكده زميله الضابط "م.د"، الذي يختتم بالقول: "إن خدمة أبناء شعبنا في هذه المرحلة التاريخية العصيبة باتت فريضة وطنية ودينية وأخلاقية، والاحتلال يتعمد استهداف الكوادر الإدارية والأمنية لضرب مقومات الصمود، لكن هيهات أن يفلحوا في كسر إرادة شعب الأحرار رغم شح الإمكانيات".