حذرت لجنة طوارئ الغرف التجارية والصناعية والزراعية والقطاع الخاص في قطاع غزة من أن استمرار قيود الاحتلال على حركة الأفراد والبضائع يفاقم الشلل الذي أصاب قطاعات اقتصادية وإنتاجية واسعة، ويعرقل استعادة النشاط التجاري والإنتاجي.
وخلال مؤتمر صحفي عقدته اللجنة في غزة أمس، طالبت برفع القيود المفروضة على حركة الأفراد والبضائع عبر المعابر، وضمان انسيابها بصورة منتظمة ومستدامة بما يلبي الاحتياجات الفعلية للقطاع.
كما جددت رفضها للآلية الحالية لإدخال البضائع التجارية، مطالبة بإنهاء حصر الاستيراد في عدد محدود من التجار، وتمكين جميع التجار من ممارسة نشاطهم وفق القوانين والأصول التجارية المتعارف عليها.
وطالبت اللجنة كذلك بالسماح الفوري بإدخال الزيوت المعدنية، وقطع غيار المركبات، ولوازم محطات تحلية المياه والمخابز، والمواد الخام ولوازم الإنتاج، والآلات والمعدات الضرورية لإعادة تشغيل المنشآت الاقتصادية، إلى جانب زيادة كميات غاز الطهي وانتظام دخوله، وزيادة كميات البضائع الواردة وتنويع أصنافها بما يساهم في استقرار الأسواق والأسعار ويدعم عودة النشاط التجاري والإنتاجي.
وأكدت اللجنة ضرورة تمكين اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة من متابعة قضايا القطاع الخاص ورفع مطالبه إلى الجهات ذات العلاقة، كما دعت الأطراف الراعية والضامنة لوقف إطلاق النار والأمم المتحدة والمؤسسات الدولية إلى ممارسة الضغط اللازم على الاحتلال الإسرائيلي لضمان تنفيذ التفاهمات المتعلقة بإدخال البضائع ورفع القيود عن حركة التجارة.
وتأتي هذه المطالب في واقع اقتصادي شديد الصعوبة، إذ تشير اللجنة إلى أن القطاع الخاص تعرض منذ بداية الحرب لخسائر وأضرار واسعة طالت المنشآت والمصانع والمحال التجارية والمخازن والمعدات، وأدت إلى توقف قطاعات إنتاجية وتجارية واسعة وفقدان أعداد كبيرة من فرص العمل.
وقالت اللجنة إن متوسط دخول الشاحنات إلى قطاع غزة منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025 بلغ نحو 191 شاحنة يومياً، مقارنة بنحو 600 شاحنة يومياً تم التوافق عليها باعتبارها الحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية للقطاع، أي أن التدفقات الحالية لا تتجاوز نحو 32% من المستوى المطلوب.
ولا تتوقف المشكلة، وفق اللجنة، عند انخفاض أعداد الشاحنات، بل تمتد إلى طبيعة آلية إدخال البضائع، التي أدت إلى حصر الاستيراد في عدد محدود جداً من التجار. فبعد أن كان أكثر من ألفي تاجر يمارسون نشاط الاستيراد قبل الحرب، أصبح العدد، بحسب اللجنة، يتراوح حالياً بين 10 و13 تاجراً فقط.
كما أشارت اللجنة إلى أعباء مالية كبيرة مرتبطة بترتيبات وتنسيقات إدخال البضائع التجارية، موضحة أن تقديرات غرفة تجارة وصناعة محافظة غزة تشير إلى تجاوز إجمالي المبالغ المدفوعة في هذا الإطار 2.06 مليار دولار منذ بداية الحرب وحتى 26 يوليو 2026. واعتبرت اللجنة أن هذه الأموال تمثل استنزافاً للموارد ورأس المال الوطني، كان من الممكن توجيهه إلى إعادة تشغيل المنشآت وتعزيز الإنتاج والإعمار.
تهديد عمل المرافق الحيوية
وفي مؤشر آخر على عمق الأزمة، أوضحت اللجنة أن متوسط مؤشر أسعار السلع الاستهلاكية خلال الفترة من يناير إلى يوليو 2026 بلغ نحو 215% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في وقت شكلت فيه السلع الاستهلاكية نحو 95% من إجمالي الواردات عبر القنوات الخاصة والإنسانية، مقابل نحو 5% فقط للمواد الإنتاجية، بما فيها الوقود والمعدات الطبية.
وفي حديثه على هامش المؤتمر الصحفي، حذر رجل الأعمال علي الحايك من أن استمرار القيود على إدخال المحروقات والزيوت وقطع الغيار ومدخلات تشغيل مولدات الكهرباء يهدد بتوقف المرافق الحيوية والإنسانية في القطاع.
وقال الحايك لصحيفة "فلسطين" إن المستشفيات والمخابز وشبكات المياه، إلى جانب قطاعات الصحة والتعليم والخدمات الاجتماعية، تحتاج بصورة عاجلة إلى مستلزمات التشغيل والصيانة التي لا تزال تواجه قيوداً على إدخالها.
وأكد الحايك أن ما يعلن عن وجود تسهيلات أو السماح بمرور بعض الشاحنات لا ينعكس، وفق الواقع الذي يعيشه القطاع، بصورة كافية على حركة السلع والمساعدات، مشيراً إلى صعوبات مستمرة في تشغيل المعابر والتدفقات اليومية.
ووصف الحايك الوضع الصناعي والإنتاجي بأنه "كارثي"، موضحاً أن بعض المصانع حاولت استعادة نشاطها وتشغيل جزء من عمالها، لكنها اصطدمت بالقيود المفروضة على القطاعات الصناعية والإنشائية والصحية.
وجدد المطالبة بفتح جميع المعابر دون شروط، والسماح بإدخال المواد الخام ومواد البناء والمستلزمات الطبية وقطع الغيار، بما يتيح للسكان والمنشآت تنفيذ أعمال الترميم والإصلاح، خصوصاً مع اقتراب فصل الشتاء والظروف القاسية التي يعيشها النازحون.
إدخال المواد الإنشائية
من جانبه، شدد محمد العصار، أمين سر اتحاد الصناعات الإنشائية، على أن إعادة إعمار غزة لا يمكن أن تبدأ فعلياً من دون السماح بإدخال المواد الإنشائية، وفي مقدمتها الإسمنت.
وقال العصار لصحيفة "فلسطين" إن هذه المواد لا تمثل حاجة لقطاع البناء وحده، بل تشكل مدخلاً لتحريك قطاعات إنتاجية وخدمية واسعة مرتبطة بالإنشاءات والإصلاح وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة.
وأوضح العصار أن القيود على إدخال الإسمنت والمواد الإنشائية ليست جديدة، مشيراً إلى أن القطاع كان يواجه تضييقات على إدخال هذه السلع حتى قبل السابع من أكتوبر 2023.
وأضاف أن استمرار منع أو تقييد هذه المواد يعطل عمليات الإصلاح الجزئي ويؤخر أي جهد جدي لإعادة الإعمار، في وقت تتسع فيه الاحتياجات يوماً بعد يوم.
بدوره، أكد وائل الهليس، نائب رئيس نقابة مستوردي المركبات، ضرورة السماح بإدخال المركبات إلى قطاع غزة، خصوصاً المركبات المتهالكة التي تحتاج إلى الاستبدال، إلى جانب السماح بإدخال قطع الغيار والإكسسوارات والزيوت والبطاريات.
وبين الهليس لصحيفة "فلسطين" أن قطاع المركبات تعرض لخسائر كبيرة خلال الحرب، إذ دمر جزء من المركبات، بينما يحاول أصحاب مركبات أخرى الاستمرار في العمل رغم ارتفاع الأسعار ونقص المستلزمات وتهالك البنية التحتية.
وقال إن أصحاب المركبات يواجهون أعباء متزايدة في ظل تراجع القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع تكاليف الصيانة وقطع الغيار، الأمر الذي يجعل استعادة حركة النقل والخدمات المرتبطة بها أكثر صعوبة.
وأكدت لجنة الطوارئ أن تمكين القطاع الخاص وفتح المجال أمام التجارة والإنتاج ليسا ترفاً، بل شرط أساسي لإعادة تشغيل المنشآت واستعادة فرص العمل وتحسين توفر السلع ودعم صمود السكان. وحذرت من أن استمرار القيود الحالية سيعمق الانكماش الاقتصادي ويرفع كلفة المعيشة ويعرقل أي مسار للتعافي أو إعادة الإعمار.
ودعت اللجنة جميع الأطراف المعنية إلى التحرك العاجل لضمان حرية وانسياب حركة الأفراد والبضائع، ورفع القيود عن المواد الإنتاجية والإنشائية والخدمية، وإنهاء الآليات التي تحد من المنافسة وتقيّد الاستيراد، مؤكدة استعداد القطاع الخاص للعمل من أجل إعادة تشغيل الاقتصاد ووضع غزة على طريق تعافٍ حقيقي ومستدام.