بعد نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة التي ألقت بثقلها على جميع تفاصيل الحياة في قطاع غزة، لم تكن عودة الطلبة إلى مقاعد الدراسة هي المشهد الوحيد الذي حاولت المؤسسات التعليمية استعادته، فثمة جوانب أخرى من الحياة الجامعية احتاجت إلى أن تستعيد حضورها، وفي مقدمتها العمل التطوعي الذي يمثل مساحة للطلبة للمشاركة والتفاعل وخدمة مجتمعهم.
وفي الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، جاءت إعادة تفعيل مركز العمل التطوعي في مايو/أيار 2026 لتمثل خطوة لإعادة فتح هذه المساحة أمام الطلبة، بعد فترة طويلة فرضت فيها الحرب واقعًا استثنائيًا على التعليم والحياة الاجتماعية والشبابية.
لم تكن العودة بالنسبة للطلبة مجرد تسجيل ساعات تطوعية أو المشاركة في فعالية جامعية، بل بدت لكثير منهم فرصة لاستعادة التواصل، وبناء علاقات جديدة، واكتساب مهارات افتقدوها خلال سنوات الحرب، والشعور بأنهم قادرون على تقديم شيء لمجتمعهم بالرغم من قسوة الظروف.
في حديثهم عن التجربة، لا يتوقف الطلبة عند طبيعة المهام التي نفذوها أو عدد الساعات التي قضوها في العمل التطوعي، وإنما يتحدثون عن أثر التجربة فيهم، وعن المهارات والعلاقات والذكريات التي خرجوا بها.
الطالبتان ندى الحداد وغدير الدلو، من دبلوم التمريض، تصفان تجربتهما التطوعية بأنها "محطة بناء حقيقية صقلت الشخصية، وعلمت معنى العطاء، وزرعت القوة والمسؤولية".
وتكشف شهادتهما جانبًا من الأثر الذي يمكن أن يتركه العمل التطوعي في الطالب؛ فالمشاركة بالنسبة لهما لم تكن مجرد أداء مهمة، وإنما تجربة ساعدتهما على اكتشاف قدرات جديدة وتعزيز شعورهما بالمسؤولية.
أما الطالبة مريم شملخ، من تخصص الدراسات القانونية، فعبّرت بعد انتهاء ساعات تطوعها عن امتنانها للدعم والتوجيه والمتابعة التي رافقت تجربتها، ووصفتها بأنها "تجربة تطوع مميزة لن ننساها".
وفي شهادة أخرى، ترى الطالبة سما شلح، من تخصص دبلوم التربية، أن تجربة التطوع كانت فترة جميلة ومميزة تعلمت منها الكثير، لافتة إلى أن من أجمل ما خرجت به كان التعرف على زميلات متميزات وصناعة ذكريات ستبقى معها حتى بعد انتهاء فترة التطوع.
أما روان سالم، من تخصص التسويق الرقمي، فتشير إلى أن ساعات التطوع لم تكن بالنسبة إليها مجرد وقت يُحتسب، وإنما شكلت محطة لبناء الشخصية وتعزيز القوة وتحمل المسؤولية.
هذه الشهادات، رغم اختلاف أصحابها وتخصصاتهم، تلتقي عند فكرة واحدة: أن قيمة العمل التطوعي لا تتوقف عند الخدمة التي يقدمها الطالب للآخرين، وإنما تمتد إلى ما تتركه التجربة داخله هو أيضًا.
استعادة روح المبادرة
من جانبه، يرى رئيس مركز العمل التطوعي في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، نسيم الزيناتي، أن عودة المركز للعمل بعد عامين من الحرب جاءت في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى المبادرة والعمل الجماعي أكثر إلحاحًا.
ويقول الزيناتي في حديث لـ"فلسطين":" إن إعادة تفعيل المركز في مايو 2026 لم تكن مجرد عودة لتنفيذ الفعاليات بالطريقة التقليدية، وإنما محاولة لإعادة بناء العمل التطوعي بصورة أكثر مؤسسية واحترافية واستدامة".
ويضيف:" العمل التطوعي بالنسبة لنا ليس وقتًا يقدمه الطالب وينتهي بانتهاء الساعات، بل تجربة تبني الإنسان وتمنحه فرصة حقيقية ليكون جزءًا من الحل"، مشيراً إلى أن الكلية تؤمن بأن طاقات الشباب ليست مجرد مورد بشري، وإنما قوة يمكنها صناعة التغيير وبناء الصمود وخدمة المجتمع.
وبالنسبة للزيناتي، فإن الطالب الذي عاش ظروف الحرب وما رافقها من نزوح واضطراب وتعطّل للكثير من جوانب الحياة، يحتاج أيضًا إلى استعادة دوره بوصفه عضوًا فاعلًا في مجتمعه.
ويقول:" الطالب الجامعي يمتلك طاقة ومعرفة وقدرات، والتطوع يفتح أمامه مساحة لتحويل هذه القدرات إلى ممارسة وأثر، فيتعلم القيادة، وتحمل المسؤولية، والتواصل، والعمل ضمن فريق، واتخاذ القرار، والتعامل مع المواقف الواقعية".
التطوع في غزة
ولا يفصل الزيناتي بين العمل التطوعي والواقع الذي يعيشه قطاع غزة، مؤكدًا أن الظروف التي خلفتها حرب الإبادة جعلت العمل التطوعي أكثر صعوبة من جهة، وأكثر ضرورة من جهة أخرى، مؤكداً أن الجميع يعمل في ظروف استثنائية، وهناك تحديات ميدانية ومعيشية ودراسية ونقص في الموارد والتمويل، إضافة إلى الضغوط النفسية والاجتماعية التي تجعل أي عمل مؤسسي أكثر صعوبة".
لكن هذه التحديات لم تدفع المركز إلى الانتظار حتى تتحسن الظروف، بل على العكس، يقول الزيناتي إن تجربة المركز أثبتت أن الحاجة إلى التطوع في الظروف الصعبة تصبح أكبر وليست أقل، ولهذا يتعامل المركز مع الظروف بمرونة، فإذا تعذر تنفيذ نشاط بالشكل المخطط له، يتم البحث عن بديل، وإذا توقفت الأنشطة في فترات الامتحانات، يستمر التواصل مع الطلبة ومساندتهم.
ومنذ إعادة تفعيل مركز العمل التطوعي، تنوعت أنشطة الطلبة بين المجالات الإنسانية والاجتماعية والبيئية والتعليمية والجامعية، حيث يشير الزيناتي إلى تنفيذ مبادرات وفعاليات عدة، من بينها "حائط البداية والأثر"، و"ابتسامة وأثر"، و"العودة والأمل"، و"شتلات الصمود"، إلى جانب برامج التدريب والتمكين والمسابقات التفاعلية والمشاركة في استقبال الطلبة الجدد وخدمات طلبات الالتحاق والعديد من فعاليات الكلية.
وخلال مايو وحده، شارك أكثر من 300 متطوع ومتطوعة في أربع فعاليات متنوعة، ويعتبر الزيناتي هذا الرقم مؤشرًا على عودة الطلبة إلى مساحة العمل التطوعي، لكنه يؤكد في الوقت ذاته أن نجاح المركز لا يمكن قياسه بعدد المشاركين وحده.
ويقول:" أحرص دائمًا على ألا نقيس نجاحنا بعدد الفعاليات فقط؛ لأن الفعالية تنتهي، بينما الأثر الذي تتركه في الإنسان يمكن أن يستمر، ولهذا، أصبح المركز ينظر إلى ما بعد الفعالية، ويسأل: ماذا تعلم الطالب؟ ماذا تغير لديه؟ وماذا سيحمل معه بعد انتهاء التجربة".
ويؤكد الزيناتي أن إحدى أهم وظائف العمل التطوعي تتمثل في الجمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية، ويقول: "الكلية بطبيعتها تمنح الطالب المعرفة الأكاديمية، لكن الميدان يمنحه الخبرة، والتطوع هو أحد أهم المساحات التي يلتقي فيها الاثنان، والطالب الذي يتعامل مع الجمهور، أو يتحمل مسؤولية مهمة، أو يعمل ضمن فريق، أو يواجه مشكلة ويحاول إيجاد حل لها، يكتسب خبرات لا توفرها الكتب وحدها.
ثقافة جامعية
ولا يهدف المركز، بحسب الزيناتي، إلى استقطاب الطالب للمشاركة في فعالية واحدة، وإنما إلى بناء علاقة طويلة المدى بين الطالب والعمل التطوعي، مبيناً أن بناء ثقافة التطوع يبدأ بالاستقطاب، ثم التأهيل والتدريب، فالمشاركة، والمتابعة والتقييم، وصولًا إلى بناء مسار مستمر للمتطوع.
ويشير إلى أن تجربة استقبال الطلبة الجدد وطلبات الالتحاق مثلت نموذجًا لهذا النهج، إذ تضمنت الاستقطاب والمقابلات والتدريب والتوزيع والمتابعة والتقييم وتوثيق ساعات التطوع، مؤكدًا أن الهدف النهائي هو أن يصبح التطوع جزءًا من الحياة الجامعية، وليس نشاطًا موسميًا ينتهي بانتهاء الفعالية.
ويرى الزيناتي أن فلسفة المركز تقوم على النظر إلى الطالب باعتباره شريكًا في صناعة الأثر، وليس متلقيًا للخدمة، ومن هنا، لا يقتصر نجاح التجربة على تنفيذ النشاط، وإنما على قدرة الطالب بعد انتهاء النشاط على مواصلة المبادرة في حياته اليومية والمهنية والمجتمعية.
وبينما تحاول الحياة الجامعية في غزة استعادة بعض ملامحها بعد حرب الإبادة، تبدو عودة العمل التطوعي في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية جزءًا من هذه المحاولة؛ فالعودة ليست إلى الأنشطة فقط، وإنما إلى فكرة أن الطالب يستطيع أن يكون فاعلًا، وأن يمتلك القدرة على تقديم شيء لمجتمعه.