قائمة الموقع

بين أكياس الموتى ووصية الوداع.. أبو صبحة يروي ألف يوم على حافة الموت

2026-08-11T12:54:00+03:00
سائق الإسعاف عز الدين أبو صبحة
فلسطين أون لاين

قبل أن يُغادر خيمته إلى نوبة عمل تمتد 24 ساعة، يحرص عز الدين أبو صبحة على طقس بات جزءًا من حياته اليومية. يضم أطفاله، يطلب منهم أن يقولوا: "نستودعك الله"، ثم يودعهم وكأنه يراهم للمرة الأخيرة. لا يعرف إن كان سيرجع إليهم حيًّا أم داخل كيس أبيض! بعدما تحولت مهمته بصفته سائق إسعاف في جهاز الدفاع المدني إلى رحلة دائمة بين الحياة والموت.

على مدار أكثر من ألف يوم من الحرب على قطاع غزة، لم يعد أبو صبحة، المعروف بين زملائه بـ"أبو أسامة"، يعدّ عدد ساعات العمل، بل عدد الشهداء الذين انتشلهم، والمنازل التي دخلها، وزملاءه الذين فقدهم، والمواقف التي ما تزال تطارده كلما أغلق عينيه.

مهمات وسط الحرب

يقول الرجل، الذي يعمل سائقا في الدفاع المدني منذ أحد عشر عامًا، ويعيل أسرة من خمسة أفراد: إنه لم يتوقف عن أداء عمله منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بالرغم من تعرضه للاستهداف المباشر مرات عديدة، وفقدانه عشرات الزملاء، وتآكل قدرات الجهاز.

ويستعيد واحدة من أكثر اللحظات إيلامًا في ذاكرته، حين استهدف جيش الاحتلال طواقم الدفاع المدني في منطقة المواصي، غربي خان يونس، يوم 13 يوليو/ تموز 2024، في أثناء توجهها لإخماد حريق وانتشال ضحايا القصف الإسرائيلي.

"قبل خمس دقائق فقط كنا نجلس على مائدة الإفطار"، يقول بصوت متقطع، قبل أن يضيف لصحيفة "فلسطين": "خرجنا إلى المهمة، وبعد دقائق فقدت أربعة من أعز زملائي".

في ذلك اليوم استشهد العميد أسامة حمد، مدير الإطفاء في جهاز الدفاع المدني، إلى جانب أحمد زهير حمودة، وبلال فرحانة، ومحمد باسم أبو نمر، في حين أصيب ستة آخرون بجروح متفاوتة.

لكن فقدان الزملاء لم يكن الاستثناء في حياة أبو صبحة، بل أصبح جزءًا من يومياته. فمنذ اندلاع الحرب شارك، وفق تقديراته، في أكثر من ألف إشارة استجابة داخل محافظة خان يونس وحدها، تنفيذًا لتعليمات تلزم طواقم الدفاع المدني بالتوجه إلى جميع المواقع المستهدفة.

في الأشهر الأولى للحرب، كان يشارك يوميًا في نحو خمسة عشر موقعًا تعرض للقصف، وينقل ما بين 15 و20 شهيدًا في اليوم الواحد، قبل أن يتراجع العدد تدريجيًا لاحقًا مع تغير طبيعة الاستهدافات.

ويصف ما كان يشاهده داخل المنازل المستهدفة قائلاً: "كثيرًا ما كنا نصل فلا نجد أجسادًا كاملة، بل أشلاء متناثرة. لم يكن أمامنا إلا جمعها ووضعها في أكياس الموتى".

أصعب تلك اللحظات لم تكن عندما انتشل غرباء، وإنما عندما تلقى بلاغًا باستهداف المنزل الذي كانت توجد فيه زوجته وأطفاله.

يقول: "تحركت بسيارة الإسعاف وأنا بين نارين؛ أحاول السيطرة على المركبة وأفكر فقط كيف سأخرج زوجتي وأولادي". وعندما وصل، تبين أن زوجته غادرت المنزل قبل دقائق، في حين انتشل الطاقم ثلاثة شهداء من المكان.

وفي إحدى المرات، استقبل في ثلاجة الموتى جثمان شقيق زوجته، في حين كانت زوجته تتصل به باستمرار لتطمئن عليه.

يقول: "لم أعرف كيف أخبرها. كنت أنظر إلى جثمان أخيها، وهي تسألني إن كان هناك شيء. في النهاية قلت لها: تماسكي، أخوكِ استشهد".

كأنه ينتشل أبناءه!

ولا تقل مشاهد الأطفال قسوة عن فقدان الأقارب، إذ يروي أبو صبحة أنه عاد ذات يوم من عمله، فركض ابنه نحوه ليعانقه، لكنه تراجع دون أن يشعر.

"آخر طفل حملته من تحت الأنقاض كان في عمر ابني تقريبًا، وعندما رأيت ابني تخيلت أنني أحمل ذلك الطفل الشهيد، فلم أستطع احتضانه".

يقول: إن كل طفل ينتشله يشعره وكأنه أحد أبنائه، وإن صور الأطفال تلاحقه حتى بعد انتهاء المهمة.

وتحول الخوف من الاستهداف المتكرر إلى هاجس دائم يرافق طواقم الإسعاف.

فخلال الحرب تعرض للاستهداف المباشر سبع مرات، شملت قصف سيارات إسعاف وطواقم إنقاذ الدفاع المدني في أثناء تنفيذ مهامها، وإخلاء مصابين من منازل وخيام ومستشفيات.

ومن أكثر المواقف التي ما تزال عالقة في ذاكرته، استهداف شاب أصيب أثناء قيادته دراجة نارية. وصل أبو صبحة إلى المكان ليجد الشاب مبتور الساقين لكنه ما يزال يحرك يديه، بينما كانت الطائرة المسيّرة تحلق فوقهما. "كنت أصرخ له: اعمل حالك ميت. نزل إيديك حتى نقدر نوصلك". لكن الشاب واصل تحريك يديه، وقبل أن تتمكن الطواقم من الوصول إليه، تعرض لاستهداف جديد أمام أعينهم.

منذ ذلك اليوم، أصبحت الطواقم تتردد في الاقتراب السريع من المواقع المستهدفة، خشية تعرضها لما يعرف بـ"الضربة الثانية".

ولا يخفي أبو صبحة أن الحرب غيّرت حتى أبسط السلوكيات الإنسانية، ففي إحدى المهمات، كان يجمع أشلاء طفل، ثم قدم الأهالي للطواقم بعض الطعام.

"وجدت نفسي آكل وأنا ما زلت أرتدي القفازات الملطخة بالدماء"، يقول، قبل أن يضيف: "لم أنتبه إلا عندما نظر إليّ زملائي باستغراب. وقتها شعرت أن الحرب سلبتنا أشياء كثيرة لم نتخيل يومًا أننا سنفقدها".

وبينما تتزايد المخاطر التي تواجه فرق الدفاع المدني، تتراجع إمكانات جهاز الدفاع المدني بصورة غير مسبوقة.

يوضح أبو صبحة أن محافظة خان يونس، التي يقطنها مئات آلاف السكان، لا تمتلك سوى سيارة إطفاء واحدة وسيارة إنقاذ، بعد تدمير الاحتلال معظم المعدات الثقيلة خلال الحرب، بما فيها الجرافات والرافعات.

كما تعاني سيارات الإسعاف من نقص حاد في الوقود والزيوت والإطارات، فيما تعمل بعض المركبات وهي بحاجة ماسة إلى الصيانة.

ويقول: "أخرج في كل مهمة وأنا أتوقع أن تتعطل السيارة في الطريق، أو أن نتعرض للاستهداف قبل الوصول إلى المصابين".

ويشير إلى أن الكادر البشري استنزف أيضًا، إذ استشهد 24 من أفراد الدفاع المدني في محافظة خان يونس وحدها أثناء أداء واجبهم، فيما يقابل كل عنصر حاليًا نحو تسعة آلاف مواطن يحتاجون إلى خدمات الإنقاذ والإسعاف.

وعلى الرغم من كل ذلك، لا يرى أبو صبحة خيارًا سوى مواصلة العمل؛ فكل نداء استغاثة بالنسبة له قد يكون فرصة لإنقاذ حياة، حتى وإن كان الثمن حياته هو.

وبين كل مهمة وأخرى، يعود الرجل إلى خيمته، يحتضن أبناءه إن استطاع، ويستعد لنوبة جديدة، مدركًا أن وصية الوداع التي يرددها كل صباح لم تعد مجرد كلمات، بل أصبحت جزءًا من حياة رجال الإنقاذ الذين يعملون في غزة، إذ قد يكون الفاصل بين العودة إلى المنزل أو الوصول في كيس أبيض، دقائق قليلة فقط.

اخبار ذات صلة