في حديث له مع فضائية الغد، استهجن الصديق والدكتور سفيان أبو زايدة استخدام بعض الكتاب والمفكرين والساسة مصطلح "العبور العظيم" وصفاً ليوم فلسطين، حين انقض آلاف الشباب الفلسطيني من قطاع غزة على المواقع الإسرائيلية والمستوطنات، سيطروا عليها في السابع من أكتوبر، واحتلوها لساعات أو لأيام، بعد أن فاجؤوا كل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بقدراتهم واستعدادهم، وبعد أن أذلوا الجيش الإسرائيلي، وأهانوا قدراته التي تفاخر بها بين الأمم.
الدكتور سفيان أبو زايدة، الذي تفاخر في البداية ببطولات أبناء غزة، وتضحياتهم، وأشاد بطوفان الأقصى، يبدو أنه استمد أفكاره وعباراته ـ في الأيام الأخيرة ـ من واقع غزة المدمر، ومن طول زمن الوجع، ومن كومة الشهداء التي تراكمت في الشوارع، ومن أحوال الناس المعذبة، وكل هذا لا ينفي الحقيقة بأن السابع من أكتوبر يوم عظيم للأمة كلها، والعبور عظيم لما له من ارتدادات ميدانية وعسكرية وسياسية واستراتيجية على مجمل القضية الفلسطينية، وسأفصل في ذلك بعض الشيء.
يوم السابع من أكتوبر يوم عظيم بنتائجه التي غيرت العالم، وحطمت سلاسل الصهيونية التي ظلت تحاصر العالم بالأكاذيب عن المحرقة النازية لعشرات السنين.
لقد أيقظ العبور العظيم ضمائر العالم، وأمريكا نفسها ليست استثناء، وقد يكون فوز زهران ممداني عمدة لنيويورك بعض مآثر العبور العظيم، وقد يكون فوز عبدول في الانتخابات التمهيدية في مشيجان بعضاً من ردة فعل العبور العظيم الذي وصلت أمواجه حتى شواطئ أمريكا.
والعبور عظيم لأنه قدم الدرس والنموذج الأمثل للأمة العربية والإسلامية لكيفية التعامل مع العدوان، وكيفية تحرير الأوطان.
والعبور عظيم لأنه رفع القضية الفلسطينية من دائرة النسيان والإهمال، إلى مراكز الاهتمام العالمي، ولا ينكر عاقل تعاطف الكرة الأرضية من شرقها وحتى غربها مع غزة.
والعبور عظيم لأنه فضح القصور الفلسطيني الرسمي، والقصور العربي، وفي الوقت نفسه فضح حقيقة العدو الصهيوني الذي تعود أن يمتص دماء المنطقة بحجة الأمن، دون ردة فعل.
العبور عظيم لأنه نخر عظم الوجود الإسرائيلي في بلادنا، وترك عدونا بكل مستوياته السياسية والأمنية والعسكرية يعترف بالمصيبة والرعب الذي سكن قلوب الأعداء، ويحول دون المستوى القيادي وتشكيل لجنة تحقيق رسمية.
والعبور عظيم يا د. سفيان رغم حديثك المفجع عن السجون الإسرائيلية التي صارت مشانق وعذابا، ولكن هذا الوجع نتاج سياسة العدو ومخططاته، وهو ممتد عبر الزمان، وبتحريض من بن غفير، والتضييق على السجون بدأ قبل معركة الطوفان، وكان أحد أهداف العبور تحرير الأسرى، ولا ذنب لقائد العبور إن عارضته المقادير.
تقول يا سيد سفيان: لقد توسع الاستيطان بعد الطوفان في القدس والضفة الغربية، وأنا أقول لك: إن مخطط التوسع الاستيطاني قائم قبل يوم العبور العظيم، وهو متواصل بعد يوم العبور.
العبور لم يكن السبب في توسع الاستيطان، وإنما التنسيق والتعاون الأمني مع المخابرات الإسرائيلية هو السبب المباشر لتوسع الاستيطان.
ولا أظن يا سيد سفيان أنك بحاجة إلى التوضيح، بأن اتفاقية أوسلو لم تحرر شبراً واحداً من أراضي 67 المحتلة، فكيف تتهم العبور العظيم بأنه السبب في إعاقة تحرير الأرض، وأنت تعرف أن حدود سنة 67 التي تتحدث عنها قد تمت إزالتها منذ سنة 1967، تاريخ ضم القدس؟ فلا داعي للتفاخر يا سيد سفيان بتحرير شبر من أراضي 67.
وقد نتفق معك يا سيد سفيان بأن التدمير والقتل والذبح الذي مارسه العدو الإسرائيلي هو إرهاب، والخيام التي نعيش تحتها نحن أهل غزة صناعة إسرائيلية، ومخطط إسرائيلي وكان ذلك سيتحقق بالعبور ودون العبور، ودليلي على ذلك قيام العدو بترحيل مخيمات اللاجئين في مدينة جنين وطولكرم دون وجود عبور في الضفة الغربية.
ألم تلاحظ حجم الويل والعذاب الذي يحاصر القرى العربية في الضفة الغربية؟ فهل كان في الضفة الغربية يوم عبور؟
وأخيراً لا بد من الإشارة إلى أن قادة العالم كلهم، بكل مستوياتهم العسكرية والأمنية يعترفون بأن يوم السابع من أكتوبر، يوم العبور كان عظيماً بالسرية، وبالتخطيط والإعداد والتنفيذ، وكان عظيماً في جرأة اتخاذ القرار.
المعركة مستمرة، المعركة يا د. سفيان ممتدة، وتتسع، ولم تنتهِ بعد، والنتائج في مصلحة الحق العربي الفلسطيني، بالرغم مما نعانيه من دمار وموت وهلاك وحصار، ومن المؤكد أن الأمور بخواتيمها.