قائمة الموقع

حماس والانتخابات المقبلة

2026-08-11T09:20:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

في ظل المنعطفات التاريخية التي تمر بها القضية الفلسطينية، تبرز تساؤلات ملحة على طاولة النقاش السياسي والوطني حول ما إذا كانت حركة حماس ستشارك حقًا في الانتخابات المقبلة. وهنا تبرز العقدة السياسية الأولى، إذ إن البداية ستكون في الانتخابات المحلية المتمثلة في البلديات، والتي يراد لها أن تكون المدخل والخطوة الأولى بهدف أساسي يتمثل في إزاحة حماس عن المشهد السياسي وإضعاف حضورها الشعبي والمؤسساتي، وهو الطرح الذي تدركه جيدًا حماس وفصائل المقاومة، ولن تقبله بالمطلق، لأنه يلتف على تضحيات المرحلة ويعيد إنتاج محاولات الإقصاء.

هذا التدافع يتقاطع عنده نبض الشارع الفلسطيني وترتيبات البيت الداخلي، ليعيد إلى الواجهة نقاشًا واسعًا ومستمرًا حول مستقبل العمل السياسي المقاوم، وكيف تنظر الحركة إلى استحقاقات المرحلة القادمة وسط جبال من التحديات والآلام الجسيمة التي يعيشها أبناء الوطن في كل أماكن تواجدهم.

إن قراءة متأنية لخريطة الواقع وتوازناته تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن حركة حماس ستشارك في أي استحقاق انتخابي قادم مهما كانت الظروف. فالسبب الأجلى والأكثر حضورًا هو أن الحركة ما زالت قائمة، راسخة الجذور في عمق الوجدان الفلسطيني، وعنصرًا جوهريًا لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال في معادلة الصراع والبناء الوطني.

وبرغم جسامة الخسائر الفادحة التي منيت بها، وفقدانها لعدد كبير من قادتها السياسيين والعسكريين والرموز التاريخية التي أثرت مسيرة العمل الوطني، إلا أن التجربة التاريخية للحركات التحررية على مستوى العالم تثبت يقينًا أن الضربات الكبرى لا تكسر الإرادة الصلبة، بل تزيدها تمسكًا بالثوابت وإصرارًا على متابعة الطريق.

لقد أثبتت حماس للجميع عبر مسيرتها المعطاءة أنها على نهج الصواب، وأنها لم تتخلَّ يومًا عن مقدسات الأمة، وفي مقدمتها القدس ومقدساتها الإسلامية والمسيحية التي تمثل بوصلة الأحرار.

حين رفعت حركة حماس شعار "يد تبني ويد تقاوم" في الانتخابات التشريعية السابقة، ربما نظر إليه البعض في ذلك الوقت بعين الحذر، أو اعتبره شعارًا دعائيًا محكومًا بظروف تلك المرحلة السياسية المعقدة. غير أن الأيام والسنوات، وصولًا إلى المحطة الأكبر والأعظم في تاريخ الصراع المعاصر، المتمثلة في معركة "طوفان الأقصى"، أثبتت بالدم والبرهان القاطع صدقية هذا الشعار وعمقه الاستراتيجي البالغ.

ففي ميدان المقاومة، جاءت معركة "طوفان الأقصى" لتؤكد مجددًا وبشكل قاطع أن المقاومة ليست خيارًا تكتيكيًا عابرًا، بل هي درع الوطن وسيفه الأمثل، حيث خاضت الحركة ومعها فصائل المقاومة ملحمة تاريخية أثبتت فيها جهوزيتها الفائقة وقدرتها الفذة على تغيير معادلات الصراع الإقليمي والدولي. وفي الوقت ذاته، لم تقتصر العناوين الكبرى على الميدان العسكري فحسب، بل تجسد البناء الأعظم في الحفاظ على الهوية الوطنية، وربط الجيل الناشئ بحتمية العودة والتحرير، ليعمد الشعار علانية وبأثمان باهظة دفع فيها قادة الحركة وخيرة شبابهم دماءهم الزكية الطاهرة على طريق القدس، ناقلين الشعار من حيز الدعاية الانتخابية إلى عقيدة وطنية مجربة وميدانية تؤكد علو كعب المقاومة في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية وعدم التفريط، مهما بلغت التضحيات.

إن الرهان على اجتثاث أو تغييب حماس عبر الاستهداف العسكري والسياسي المستمر هو رهان واهم وخارج السياق التاريخي، فحماس ليست مجرد تنظيم سياسي طارئ يمكن تجاوزه، بل هي فكرة راسخة، والفكرة لا تموت. وتلك الفكرة المستندة إلى جذور العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها والدفاع عن حريتها، تنتقل عبر الأجيال كالنار في الهشيم، لتبقى جذوتها متوهجة. والوجود السياسي لحماس في أي انتخابات مقبلة لن يكون مجرد مشاركة تقليدية عابرة، بل سيكون تجسيدًا حيًا لبقاء الروح الوطنية المقاومة، واستمرارًا لمسيرة طويلة من التضحيات أثبتت فيها الحركة أنها أهل للمسؤولية التاريخية في السلم والحرب على حد سواء.

وفي غمرة هذه التحديات، يتجلى المعدن الحقيقي للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، فبينما يعيش المواطنون قسوة النزوح ومرارة العيش في الخيام، يدرك هذا الشعب وعيًا كاملًا أن ما يدفعه من أثمان فادحة ليس سوى ضريبة النصر والتحرير. وفي المقابل، تقف الضفة الغربية المحتلة في مشهد مركب، حيث تثقل كاهلها الملاحقة الأمنية المزدوجة التي تضعف العمل المقاوم المنظم، في وقت لا تتوقف فيه آلة الاستيطان والقتل عن سفك الدم الفلسطيني على مدار اليوم، وتتواصل حملات الاعتقال الشرسة على مدار الساعة، لتؤكد مجددًا أن الاحتلال وجه واحد في كل الساحات، وأن خيار المواجهة والصمود يظل الناظم الأوحد لكرامة الشعب الفلسطيني.

إن مشاركة حماس المرتقبة في الانتخابات تمثل فرصة حقيقية واستثنائية لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتوحيد الصفوف على أساس الشراكة الحقيقية وبرنامج وطني جامع يستلهم روح الصمود الأسطوري في "طوفان الأقصى". فالدماء الزكية التي سالت والتضحيات الجسام التي قدمها الشعب الفلسطيني في كل ساحات العطاء تستحق قيادة وطنية موحدة تمثله بصدق وأمانة، وتستمد شرعيتها الحقيقية من صموده وتضحياته، وتلبي طموحاته العادلة والراسخة في الحرية والاستقلال والعيش بكرامة فوق أرضه المغتصبة.

اخبار ذات صلة