قائمة الموقع

أنس الشريف.. ظلّ واقفًا أمام الكاميرا حتى آخر مشهد

2026-08-10T13:50:00+03:00
الصحفي أنس الشريف
فلسطين أون لاين

لم يكن الشهيد أنس الشريف صحفيا عاديًا، ولم يكن مجرد ناقل للخبر، بل كان شاهدًا وجزءًا من القصة والحكاية نفسها، كان عينًا لقطاع غزة، وآهاته، نقل صورًا حيّة عن الجوع والتشرد والمجازر والعطش، كان دائمًا في قلب ميدان التغطية واستشهد فيه في لحظة اختلطت دماؤه مع بقية الزملاء الذين كانوا معه لتختم رسالتهم الأخيرة بالدم، في زمن انقلبت فيه المعايير وأصبح الشاهد شهيدًا، وناقل الخبر الخبر نفسه، وباتت الكلمة في مواجهة الصاروخ، في معادلة غير متكافئة تفرضها نازية العصر.

عندما قرر الكثير من زملائه الابتعاد عن مكان تركيز الإبادة الجماعية مع بداية الحرب، اقترب هو من الخطر لينقل الحقيقة في أخطر تغطية على الصحفيين، فأظهر شجاعة استثنائية انفرد بها، فكان حاضرًا في كل تفاصيل الأحداث والمجازر ليصنع تغطية تركت أثرًا كبيرًا في الرأي العام الدولي، وجعلت الصحفي أنس الشريف على سلم أهداف جيش الاحتلال الذي اغتاله مساء 10 آب/ أغسطس 2025، لتحل اليوم ذكرى استشهاده الأولى.

بقع دماء وبعض الخبز، بقايا معدات وأسلاك، وخيمة ممزقة شاهدة على آخر اللحظات التي عاشها الصحفيون الشهداء قبل استهدافهم، في لحظة جمعتهم مائدة طعام غمست بدمائهم، سبقها تغطية متواصلة أمضوها طوال اليوم متواجدين في الميدان، يوثقون الجرائم ويواكبون الأحداث المتسارعة، لحالات الوفيات نتيجة التجويع وسوء التغذية والمجازر المتواصلة بحق الأهالي ومنتظري المساعدات.

هكذا كان المشهد بداخل خيمة قناة الجزيرة المقامة قرب بوابة مستشفى الشفاء، بعد استهدافها وأدت لاستشهاد الزملاء، أنس الشريف ومحمد قريقع، ومحمد نوفل، ومؤمن عليوة، وإبراهيم زاهر، ومحمد الخالدي.


 

ولد أنس في 3 ديسمبر/ كانون الأول 1996 ولديه طفلان: شام (6 أعوام) وصلاح (عامان ونصف العام)، ودرس تخصص الإذاعة والتلفزيون في جامعة الأقصى، وعمل مصورا لعدد من كبرى وسائل الإعلام الدولية بما توثقه عدسته خلال مسيرات العودة، ثم أصبح مراسلا صحفيا بارزا خلال الإبادة، وعمل مع قناة الجزيرة.

في وصيته قال الشهيد الشريف: "يعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهد وقوة، لأكون سندا وصوتا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقة وحارات مخيم جباليا للاجئين، وكأن أملي أن يمد الله في عمري حتى أعود مع أهلي وأحبتي إلى بلدتنا الأصلية عسقلان (المجدل) لكن مشيئة الله كانت أسبق، وحكمه نافذ".

تمهيد قبل الاغتيال

سبق الاستهداف حملة تهديد من قبل جيش الاحتلال لأنس الشريف، بعد انتشار فيديو مؤثر له وهو يبكي بسبب حالة التجويع، عايش شقيقه محمود الشريف هذه التهديدات، ويحكي لصحيفة "فلسطين": "التهديدات كانت توحي بأمر ما، وكانت جدية، لم يكن أخي بمكان سري بل كان في خيمة عمله يمارسه مهامه، ولم يتراجع عن التغطية بسبب التهديدات".


 

عن آخر اتصال جمعه بشقيقه، يروي "تحدثنا عن خطط الاحتلال بالسيطرة على غزة، وأنه يمكن أن يحدث نزوح للناس، فسالته: "هل ستغادر لجنوب القطاع؟"، فرد علي بنبرة إصرار: "لو كل الناس طلعت من غزة، أنا مش حطلع"، مشيرا، إلى أنه تلقى عروضا للسفر هو وعائلته من غزة مع تسهيلات، لكنه قابل ذلك العرض بـ"رفض قاطع".

خلال الحرب تحولت خيمته، لمزار يومي من مئات المحتاجين والفقراء والمرضى ومن لديهم مناشدات، عايش شقيقه جانبًا من التحام شقيقه مع هموم أبناء شعبه الذين كان صوتًا وعينًا لهم: "كان يمر عليه أعداد ليست بسيطة من الناس وكان أخي يساهم في نشر مأساتهم ومناشداتهم".

تغطية فريدة

عايش الكاتب والناشط الإعلامي إبراهيم مسلم أنس الشريف، الذي كان بمنزلة تلميذٍ عنده، كان مسلم قريبا من الزميل أنس، جمعتهما الحرب والمجاعة، إذ مثل وجود مسلم في شمال القطاع وعدم النزوح فرصة للقاءات المستمرة بين "المعلم والتلميذ" الذي بات هو الآخر مدرسة إعلامية أو كما يصفه مسلم "وكالة إعلامية" متنقلة.

يقول مسلم لصحيفة "فلسطين": "حاول الاحتلال إسقاط الصوت واغتياله من خلال التهديدات المباشرة، وغير المباشرة للزميل أنس الذي يعد صوت الحقيقة وصوت غزة الذي سيخلده التاريخ وتحفظه الأجيال على مدار السنوات القادمة".


 

ويعتقد مسلم أن أنس استطاع منفردا بعد نزوح عدد كبير من الصحفيين إلى جنوب قطاع غزة وتمركزه في الشمال في نقل الحقيقة، فكان حالة صحفية ومراسلا إعلاميا منفرد بشمال القطاع، في ظل محاولة الاحتلال اسكات الصوت.

وأضاف: "كان حاضرا بمواقع القصف والنزوح، والمستشفيات كل ما سبق جعل رواية أنس مرتبطة بالمشهد الإنساني المباشر من خلال الصورة والصوت والتقارير التي كان ينتجها من خلال هاتفه المحمول، فكان عبارة عن وكالة أنباء متنقلة".

ولفت إلى أن أنس جعل معاناة المدنيين على واجهة شاشة الجزيرة وصفحته على فيسبوك ومواقع التواصل وكان ينشرها إلى العالم، مما ترك أثرا كبيرا في صور المجاعة والأطفال النازحين والضحايا ومنح أيضا الإنسان الفلسطيني مساحة أساسية للخبر، بقي الإنسان الفلسطيني رقم واحد، وقام بأنسنة القضية وحرب الإبادة الجماعية.

وقال: "اقترب أنس من الحقيقة الميدانية وعايش التفاصيل، وحول نفسه من صحفي إلى شاهد حيث أصبح جزء من القصة نفسها فهو الذي فقد بيته وشقيقه ووالده وهو ينقل على رأس عمله ووداع زميله إسماعيل الغول والزملاء الصحفيين، بالتالي أصبح الشاهد والشهيد ينقل الحدث ويعيشه ويفقد أشخاصا ثم يعود إلى الكاميرا، ليخبر العالم بما رأى وبما حدث.

ومن المواقف التي لا ينساها مسلم لأنس، لحظة انسحاب جيش الاحتلال من بلدة بيت حانون، ولم يكن هناك طحين لدى الناس، ويروي: "دخلنا البلدة ووثقنا عودة العائلات، وتزامن ذلك مع عثور عائلة على بقايا طحين في بيتها، فقاموا بإعداد الخبز لنا وكان أنس فرحا".

اخبار ذات صلة