بمعدات بسيطةٍ، وإرادة عالية، ظل النقيب مصطفى حمدان، على رأس فريقه في جهاز الدفاع المدني؛ تلقى صدمة كبيرة باستشهاد والده وإخوته الأربعة، وقد فجع بهم بعد مشاركته في مهمات إنقاذ وانتشال كانوا هم الضحايا فيها.
وتحت وطأة حرب الإبادة وشح الإمكانات، لم يخذل حمدان أصوات الاستغاثة في أي مرة، ولم يثنه قصف واستهداف جيش الاحتلال لمركبات الدفاع المدني عن الميدان، ولم يدفعه كذلك إلى التخلي عن أداء دوره الإنساني.
يعمل حمدان رئيسًا لقسم الإطفاء والإنقاذ في مركز التفاح التابع لجهاز الدفاع المدني، منذ بداية الحرب لم يغادر مدينة غزة، وشارك في معظم مهمات الإنقاذ والأحداث التي وقعت في المدينة.
في نقطة للدفاع المدني بشارع الوحدة بمدينة غزة، كان حمدان يتفقد سيارة الإطفاء الوحيدة تحسبًا لأي طارئ مع استمرار الأحداث المتسارعة بالمدينة.
ويقول لصحيفة "فلسطين": إن "الإبادة التي عشناها صعبة، فقد دمر الاحتلال البشر والشجر والحجر وكل مقومات الحياة. واجهتنا مخاطر كبيرة وكنا دائمًا قريبين من الموت، خاطرنا بأرواحنا من أجل إنقاذ وإسعاف أرواح المصابين والعالقين بين الركام وفي المناطق المحاصرة خلال عمليات الاحتلال العسكرية بمدينة غزة".
مشاهد عالقة
مع بداية الحرب نزحت زوجته وأولاده إلى جنوبي القطاع، وبقي وحده في مدينة غزة، يعمل إلى جانب فرق الدفاع المدني بمعدات بدائية لانتشال الشهداء والمصابين. ويحكي عن أحد المواقف العالقة في ذاكرته: "في إحدى المهمات الصعبة، كان هناك استهداف إسرائيلي لمنزل يوجد فيه رجل وزوجته وطفلة بعمر ثلاث أعوام، وطفل آخر بعمر 12 عامًا".
يستعيد بقية التفاصيل: "نقص المعدات والجرافات والبواقر، أثر في عملية الانتشال. عندما وصلنا إلى المكان كان هناك صوت استغاثة طفلة، كانت الساعة الخامسة مساءً، وبقينا نعمل بأيدينا وباستخدام المطرقة لفتح ثغرة في ثلاثة أسقف من الخرسانة، واستمر عملنا حتى الساعة الرابعة فجرًا بمعدات يدوية نحاول فتح طبقات السقف".
وأضاف: "كان العمل متعبًا خاصة في فترة الليل، وطوال الوقت كنا نسمع صوت الطفلة، لكن عند الثالثة فجرًا وقبل أن نصل إليها اختفى صوتها، فوصلنا إليها وكانت شهيدة. لو توافرت المعدات الثقيلة اللازمة لاستطعنا إنقاذ الطفلة خلال ساعة أو ساعتين، وسيبقى هذا الموقف بكل ما حمله من ألم وتفاصيل عالقا في ذاكرتي".
وفي ذروة وجود جيش الاحتلال بمدينة غزة، ومع اشتداد الإبادة ودخول الآليات لأحياء المدينة، ظلت الطواقم على رأس عملها تواجه المخاطر. عن أحد المواقف التي كان فيها قريبًا من الموت يروي: "استهدف جيش الاحتلال عيادة وكالة غوث اللاجئين "الأونروا" الواقعة في حي الصبرة، جنوبي مدينة غزة، وكانت دبابات الاحتلال وقناصته يتواجدون في المكان.
يستذكر: "حاولنا الدخول إلى العيادة، لكن كانت في الأجواء طائرة مسيرة (كواد كابتر) تقف فوق الطريق، فعدت وسلكت طريقًا التفافيًا ووجدت مجموعة من الشهداء ملقون أرضًا وتقوم الكلاب بنهش أجساد بعضهم، ولم يكن يفصلني عن جيش الاحتلال سوى جدار العيادة حيث كانت الآليات خلفها. صعدت للطابق الأول ووجدت طفلين من عائلة الداعور، لا يعلمون أن أمهم وشقيقتهم قد استشهدا".
وتابع: "غادرت العيادة بهم، وكنت أحمل أحد الأطفال وكانت الدبابة خلفنا، وكان كافيًا أن توجه المدفع نحونا لتقتلنا جميعًا".
يوم الفاجعة
في 10 نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، وردت إشارة لجهاز الدفاع المدني بمدينة غزة بعد قصف طائرات الاحتلال أحد المنازل، فخرج حمدان على رأس طاقم الإنقاذ حتى وصل إلى المكان الذي يقع في منطقة سكنه، حينها راودته الأسئلة عن مصير عائلته وقد هيمن عليه الخوف والقلق.
وفي المهمات التي شارك فيها حمدان كان يتعامل معها من منطلق واجبه المهني، أما في ذلك اليوم فوقف أمام فاجعة فراق عائلته، فتعامل كضابط دفاع مدني، وابن يبحث عن أفراد عائلته تحت الركام.
يقول بذاكرة مثقلة: "كان يوم الجمعة، عندما وصلت إلى الحارة تفاجأت باستهداف بيت عائلتي، ووجدت أبي جمال حمدان (65 سنة) وأخي خالد (40 سنة) وزوجة أخي شهداء، فاستطعت إخراجهم، والصلاة عليهم ودفنهم في مقبرة البطش الواقعة شرق مدينة غزة".
لم يفق حمدان من صدمة فقدان أفراد من عائلته في المجزرة الإسرائيلية، وقد سبقها استشهاد شقيقه الأصغر موسى في اليوم الأول لاندلاع الحرب، لكنه واصل عمله الميداني في انتشال ونقل الشهداء والمصابين، حتى تلقى إشارة مساء 18 ديسمبر/ كانون أول 2023، يخبره المتصل باستهداف منزل عائلته الآخر، والذي يقع ضمن نطاق منطقة مُخلاة ويوجد فيها جيش الاحتلال.
يقول وهو يستحضر التفاصيل: "ذهبت مع طاقم الإنقاذ، فعثر زميلي على شاب ورجل داخل الشقة، سألني إن كنت أعرفهم، وكنت أعتقد أن أخي غير موجود في البيت، وعندما صعدت لم أستطع التعرف على الجثمان، بحثت داخل الملابس ووجدت وثيقة شخصية ودفترًا قبل أن أتعرف على أخي الشهيد يحيى (30 سنة) فدفنته أنا والطاقم، وعدت إلى أمي لأخبرها باستشهاده وقبل أن أصل ومن ملامحي قالت لي: "هل حدث شيء ليحيى؟"، عندها علمت باستشهاده.
ضغوطات نفسية
من شدة ضغط العمل وكثرة الأحداث وصعوبة الجثامين التي يتم انتشالها تعرضت طواقم الدفاع المدني لضغوطات عمل ونفسية أثرت فيهم، وهنا تجلى دور الضابط المسؤول في محاولة بث روح الانتماء في نفوسهم. فيقول: "في إحدى المهمات صعدنا إلى شقة في الطابق الرابع تقع في إحدى العمارات السكنية، ونحن داخل الشقة جرى استهدافنا فاستشهد زميلي علي عمر وأصبت بيدي".
بالرغم من إصابته، تعالى حمدان على جراحه عندما لاحظ تأثر زملائه نفسيًا، وأضاف: "بدأت تذكيرهم بالدور الذي فعله زميلنا وأننا يجب أن نسير على دربه، حتى تعالوا على جراحهم وأكملوا مهمتهم".
لم يكن استهداف والده وثلاثة من أشقائه آخر الفقد الذي عاشه، ففي 29 فبراير/ شباط 2024 وفي أثناء ذهاب شقيقه محمد (39 سنة) لجلب كيس طحين ولقمة العيش لأطفال شقيقه الشهيد خالد، وقعت مجزرة "النابلسي" وقد استشهد فيها.
ومنذ وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، تفاقمت أزمة مركبات الدفاع المدني بعد تعطل الكثير منها بسبب تهالكها، أو لوجود مشكلات ي الإطارات وعدم توافر الزيوت.
وصعد الاحتلال عدوانه على مدينة غزة خلال يوليو/ تموز الماضي، ونتج عن الاستهداف حرائق هائلة كان أصعبها حريق عائلة المصري استشهد خلاله فراس المصري وزوجته وأربعة من أطفاله، في مشهد مؤلم أدت النيران إلى تفحم جثامين الأطفال بالكامل.
ويروي بنبرة تحمل وجعًا: "كان لدينا سيارة إطفاء واحدة ومليئة بالمياه بشكل كامل (6000 لتر)، وكانت النار هائلة فاستعنا بسيارة إطفاء من جهاز الدفاع المدني بمحافظة شمال القطاع، وبسيارة تابعة لبلدية غزة، وعندما نفدت سيارة المياه قبل وصول سيارات المساندة، تحركنا بها وقمنا بتعبئة مياه من محطة بمنطقة الصحابة وعدنا لمكان الحدث واستمر العمل على إخماد النيران 3 ساعات".
وقال بنبرة مليئة بالحزن والقهر: "في أثناء عملي على إخماد النيران، تعثرت بجثة طفل لم يتبق منها سوى القفص الصدري والعمود الفقري بعدما أذابت النيران جسده بالكامل".