تنذر أرقام حديثة بشأن هجرة الإسرائيليين، خاصة من أصحاب الكفاءات العالية، بتداعيات طويلة الأمد قد تطال بنية الاقتصاد الإسرائيلي بعمق، ضمن تحول اقتصادي، حيث تتقاطع خسائر الضرائب مع تراجع الاستثمار وتسارع هروب رؤوس الأموال، وفق خبير في الاقتصاد.
وكشفت دراسة إسرائيلية أخيرا عن تصاعد ملحوظ في حجم الخسائر الضريبية التي تتكبدها خزينة الاحتلال نتيجة هجرة الإسرائيليين إلى الخارج، لا سيما من ذوي المهارات المتقدمة في قطاعات حيوية.
وبحسب نتائج الدراسة، فقد ارتفعت الخسائر الضريبية السنوية من نحو نصف مليار شيكل حتى عام 2019، إلى ما يقارب 1.2 مليار شيكل سنويًا خلال عامي 2023 و2024، بزيادة تُقدّر بنحو 700 مليون شيكل سنويًا.
كما حذّرت الدراسة من أنه في حال استمرار هذا الاتجاه خلال السنوات الخمس المقبلة، فإن إجمالي الخسائر قد يصل إلى نحو 3.5 مليارات شيكل سنويًا، ما يشكّل ضغطًا متزايدًا على المالية العامة ويضع صناع القرار أمام تحديات متفاقمة.
وفي قراءة معمّقة لهذه المؤشرات، قال الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس إن ما تكشفه هذه الأرقام لا يمكن التعامل معه كظاهرة مؤقتة أو عابرة، بل يعكس تحولًا هيكليًا عميقًا قد يطال أساسات الاقتصاد الإسرائيلي، خاصة في ظل اعتماد هذا الاقتصاد على رأس المال البشري عالي الكفاءة.
وأضاف أبو الروس في حديثه لصحيفة "فلسطين" أن “هجرة العقول تعني خسارة الفئة الأكثر إنتاجية وابتكارًا، وهي الفئة التي ترفد الاقتصاد بأعلى نسب من الضرائب، خصوصًا في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والخدمات المالية والطبية”، مشيرًا إلى أن هذه الفئات تمثل العمود الفقري للاقتصاد الحديث، وأن خروجها يخلق فجوة نوعية يصعب تعويضها على المدى القصير والمتوسط.
وأوضح أن خطورة الظاهرة تكمن في طبيعتها التراكمية، حيث لا تتوقف آثارها عند حدود الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى ما وصفه بـ"الأثر المضاعف"، إذ يؤدي خروج الكفاءات إلى انخفاض الاستهلاك المحلي نتيجة تراجع القوة الشرائية، وتراجع الاستثمارات الداخلية، خاصة في المشاريع الناشئة التي تعتمد على الابتكار والخبرة، إلى جانب إضعاف سوق العمل من حيث المهارات والخبرات، وتباطؤ نمو الشركات، لا سيما في قطاع التكنولوجيا الذي يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الإسرائيلي.
خسارة مركبة
وقال أبو الروس إن “كل فرد يغادر لا يأخذ معه دخله فقط، بل يأخذ معه شبكة علاقات اقتصادية وإنتاجية كاملة، تشمل الخبرة والمعرفة والقدرة على خلق فرص عمل”، ما يفاقم من التأثير الاقتصادي ويجعل الخسارة مركّبة وليست مجرد رقم مالي.
كما أظهرت المعطيات ارتفاعًا لافتًا في وتيرة تحويل الأموال إلى خارج دولة الاحتلال، حيث تضاعف عدد الأفراد الذين أبلغوا عن تحويل أكثر من نصف مليون شيكل خلال العامين الماضيين، فيما ارتفع هذا العدد إلى أربعة أضعاف بين من غادروا فعليًا، في مؤشر واضح على تراجع الثقة بالبيئة الاقتصادية.
وفي هذا السياق، اعتبر أبو الروس أن هروب رؤوس الأموال يمثل مؤشرًا أكثر خطورة من الهجرة البشرية نفسها، موضحًا أن “رأس المال عادة ما يسبق الإنسان في اتخاذ قرار الخروج، وهو ما يعكس تغيّرًا عميقًا في التوقعات الاقتصادية ومستوى الثقة بالمستقبل”.
وأضاف أن تزايد عمليات تحويل الأموال إلى الخارج يعكس فقدان الثقة في الاستقرار الاقتصادي أو السياسي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تسارع وتيرة الهجرة والاستثمارات الخارجية، ما يفاقم من الأزمة ويضعف قدرة الاقتصاد على التعافي.
ونبه أبو الروس إلى أن استمرار الظاهرة سيؤثر بشكل مباشر على قطاع التكنولوجيا، الذي يعد أحد أهم محركات الاقتصاد الإسرائيلي، مع احتمالية انتقال الشركات الناشئة ومراكز التطوير إلى الخارج، الأمر الذي قد يؤدي إلى فقدان ميزة تنافسية عالمية استغرق بناؤها سنوات طويلة.
وأوضح أن استمرار الخسائر قد يضع حكومة الاحتلال أمام خيارات صعبة، من بينها رفع الضرائب لتعويض النقص في الإيرادات، أو تقليص الإنفاق العام على الخدمات والبنية التحتية، أو زيادة الاقتراض ورفع مستويات الدين العام، وهي خيارات تحمل في طياتها مخاطر اقتصادية إضافية.
وأشار إلى أن السياسات، في حال تم تبنيها، قد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ قد تدفع المزيد من الأفراد والشركات إلى التفكير في الهجرة، ما يخلق حلقة سلبية مغلقة يصعب كسرها، تتغذى على تراجع الثقة وتدهور المؤشرات الاقتصادية