قائمة الموقع

انتشل رضيعة بعد أسبوعين وشاهد مجزرة المعمداني.. مجزرتان عايشهما جمعة السحباني

2026-08-09T10:52:00+03:00
رجل الدفاع المدني جمعة سالم السحباني
فلسطين أون لاين

حين تتساقط أطنان من الحمم فوق رؤوس الآمنين، وتحتدم المأساة في كل زاوية، لا يفر الرجال الحقيقيون، بل يتقدمون الصفوف ليكونوا درعًا لشعبهم. ففي خضمّ حرب الإبادة، وبين أزقة غزة التي أنهكها القصف والدمار، سطر ابن جهاز الدفاع المدني جمعة سالم السحباني، ملحمة من الصبر والتفاني لا تقاس بالكلمات، بل بالدم والتضحية والعرق.

منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم يتأخر السحباني (47 عامًا) يومًا واحدًا عن نداء الواجب.

يقول السحباني لصحيفة "فلسطين"، بنبرة يملؤها الثبات والإيمان: "منذ بداية الحرب على غزة وإلى الآن، وأنا على رأس عملي، لم أتردد يومًا في خدمة أبناء شعبي المكلوم والمجروح".

لم تكن مهمات جمعة مفروشة بالورود، بل كانت ممزوجة برائحة الموت والبارود. يستذكر واحدة من أقسى لحظات عمره وأكثرها دموية، حين استهدف الاحتلال منزلاً في منطقة "السنافور" بحي التفاح، شرقي مدينة غزة.

يضيف وبدا متأثرًا: "خلال إحدى المهام، تم قصف منزل، فاستشهد من زملائي هاني جمعة، ومحمود سالم، ومحمد السرحي، وأصبت أنا خلال هذا الحدث؛ وقد تعمد الاحتلال قصف المكان مرة أخرى خلال وجودنا، فارتقى زملائي شهداء أمام عيني".

وبالرغم من جراحه ودماء رفاق الدرب التي روت المكان، بقي السحباني وفيًا للرسالة، مؤمنًا بأن دماء الشهداء هي منارة الطريق.

معجزة الطفلة الرضيعة

ولأن الإنسانية في غزة تصنع المعجزات بأدوات شبه معدومة، يروي السحباني الموقف الأقسى والأعظم أثرًا في مسيرته الميدانية؛ حين وردت إشارة عن طفلة رضيعة لا يتجاوز عمرها ستة أشهر، بقيت تحت الركام لأكثر من أسبوعين كاملين بعد أن سمع الجيران صوت بكائها الخافت.

يستحضر تلك اللحظات بأسى: "لا توجد معدات كافية لإنقاذها من تحت الركام، لكننا منذ تلقي الإشارة سارعنا لانتشالها، وأخذت على عاتقي ألا أغادر المكان إلا بإنقاذها من تحت الركام، وهذا ما حدث بالضبط".

يصف المشهد بأنه كان صراعًا مع الزمن وضد المستحيل، لكن إرادة الحياة كانت أقوى من بطش الحصار.

كما شهد السحباني ورفاقه أيضًا أهوالاً تعجز عقول البشر عن استيعابها، لكن المجزرة المروعة التي ارتكبها جيش الاحتلال في بدايات الحرب، بقصف المستشفى الأهلي العربي "المعمداني" الواقع في قلب مدينة غزة، بقيت جرحًا غائرًا في الذاكرة.

يصف ذلك المشهد المرعب قائلاً: "عندما قصف الاحتلال المستشفى شاهدت مشاهد فظيعة؛ المئات من الشهداء والجرحى على الأرض. كنت أحدث نفسي: إيش أعمل؟ مين أسعف؟ حيث كان المشهد صادمًا، ولأول مرة تحدث جريمة بهذا الظلم. حدثت الكثير من الجرائم في غزة وتمكنا من السيطرة على الكثير، لكن هذه الحرب فاقت كل التوقعات".

ولم تقتصر جبهات القتال على الميدان فحسب، بل امتدت لتشمل جبهة الأسرة والبيت. يروي بفخر واعتزاز رفض زوجته القاطع للنزوح وإصرارها على البقاء في شمال غزة المدمر، ليتعاهد هو وأبناؤه على الثبات وألا يغادروا مهما كانت التكاليف.

وعن أيام المجاعة والوجع الخانق، يقول: "عندما حدثت المجاعة كنت خائفًا عليهم، لكن كنت أدعو ربي أن يثبتهم ويربط على قلوبهم وأن يكون الفرج قريبًا".

مسيرة عطاء

وكان السحباني انضم إلى جهاز الدفاع المدني عام 1998، ومنذ ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا، لم يستنكف يومًا واحدًا عن عمله الإنساني والوطني.

وعلى الرغم من ظروفه القاسية التي حرمته من إكمال تعليمه الجامعي، فإن الله عوضه خيرًا كبيرًا في أبنائه الخمسة (ثلاثة ذكور وابنتان)، الذين ترعرعوا على حب الوطن والعلم. ويروي بفرح غامر تفوق ابنته "نور الهدى" في الثانوية العامة التي حصلت قبل أيام على معدل 95 بالمئة في الفرع العلمي، لتكون ثمرة لهذا الصبر الطويل.

يختتم السحباني رسالته بابتسامة صلبة كصخرة غزة، مؤكدًا أن درع الدفاع المدني سيبقى الرمز الحي لكرامة هذا الشعب. فبين ركام المنازل وأطلال المدن، يبرهن أمثاله للعالم أن غزة وإن أحرقت بالنار، فلن تموت أبدًا ما دام فيها رجال يعشقون الحياة بقدر ما يتقنون صناعة التضحية.

اخبار ذات صلة