قائمة الموقع

ضحى بنفسه لحماية طاقم "الجزيرة".. هكذا قتلت قذيفة إسرائيلية المسن "نبهان"

2026-08-08T13:03:00+03:00
فلسطين أون لاين

في ظهيرة الجمعة، الخامس عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2023، شقّت جرافة ثقيلة طريقها بين الركام والقصف المتواصل باتجاه مدرسة فرحانة في مدينة خان يونس، جنوبي قطاع غزة، حيث كان طاقم قناة "الجزيرة" محاصرًا عقب استهداف إسرائيلي عنيف.

لم يكن سائقها، حسني نبهان، موظفًا في جهاز الدفاع المدني، بل متطوعًا تجاوز الثانية والستين من عمره، اختار منذ الأيام الأولى للحرب أن يحوّل خبرته في قيادة الآليات الثقيلة إلى وسيلة لإنقاذ العالقين تحت الأنقاض.

وفي تلك المهمة، التي كانت الأصعب والأخطر، جعل نبهان من ذراع جرافته ساترًا يحمي رجال الإنقاذ والصحفيين، قبل أن تستهدفه قوات الاحتلال بقذيفة مباشرة، ليرتقي شهيدًا إلى جانب رَجُلي الدفاع المدني نور صقر ورامي بدير، والمصور الصحفي سامر أبو دقة.

خوض غمار المخاطر

لم يبدأ نبهان رحلته مع الإنقاذ شابًا، بل بدأها في عمر يختار فيه كثيرون الابتعاد عن المخاطر، فمع اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كان يعمل سائقًا للجرافات الثقيلة، وهي مهنة لا يتقنها سوى عدد محدود من الأشخاص.

وحين بدأت المنازل تتهاوى فوق ساكنيها، وجدت طواقم الدفاع المدني في خبرته طوق نجاة لعشرات العائلات، فطلبت منه الانضمام إلى عمليات الإنقاذ، ليبدأ رحلة إنسانية من قلب مدينة غزة، قبل أن يواصلها بعد نزوحه مع أسرته إلى خان يونس.

يروي نجله الأكبر، خليل نبهان، أن والده لم يتردد لحظة في تلبية النداء، بالرغم من إدراكه حجم الخطر الذي يحيط بطواقم الإنقاذ، ويقول لصحيفة "فلسطين": "كانوا يعرفون أن والدي من القلائل الذين يستطيعون تشغيل الجرافات الثقيلة، فجاؤوا يطلبون مساعدته، ومنذ ذلك اليوم، صار يخرج معهم كلما احتاجوا إليه".

ويضيف، كان والدي يقول لنا دائمًا: "أساعد الناس حتى يبعث الله من يساعدكم إذا احتجتم يومًا، كان مؤمنًا أن الخير لا يضيع، وأن إنقاذ الناس عبادة قبل أن يكون عملاً".

منذ ذلك الوقت، أصبحت الجرافة رفيقة أيامه الصعبة، ففي غزة، ثم في خان يونس، شارك في عشرات عمليات إزالة الركام وانتشال الجرحى والشهداء، لم يكن لديه دوام رسمي، ولم يكن يتقاضى أجرًا، بل كان متطوعًا تستدعيه طواقم الدفاع المدني كلما وقع قصف جديد، فيترك كل شيء وينطلق نحو المكان المستهدف".

ويقول خليل: "كانت سيارات الدفاع المدني تأتي إلى مكان نزوحنا، ينادون: أبو خليل؛ فيخرج فورًا، لم يكن يسأل إلى أين سيذهب، ولا كم سيكون حجم الخطر، بل يركب الجرافة وينطلق".

وخلال تلك الشهور، أدرك الاحتلال الدور الذي تؤديه الجرافات والآليات الثقيلة في إنقاذ المحاصرين تحت الأنقاض، فبدأ يستهدفها بشكل مباشر، إلى جانب سائقيها، ويشير خليل إلى أن والده كان يدرك هذه الحقيقة، لكنه لم يتراجع".

ويقول: "بعد فترة صار الاحتلال يستهدف كل جرافة أو حفارة تدخل لإخراج المصابين والشهداء، حتى الآليات المتوقفة لم تسلم من القصف، كانوا يريدون أن يبقى الناس تحت الركام، ولذلك استهدفوا سائقي المعدات الثقيلة واحدًا تلو الآخر".

ورغم ذلك، واصل نبهان أداء مهمته، لم يكن يتحدث كثيرًا عن الخطر الذي يواجهه، بل عن الأرواح التي تمكن من إنقاذها، وكان يعود إلى أسرته محملًا بقصص الناجين أكثر من قصص الدمار.

ويقول نجله: "كان يفرح كثيرًا عندما يخرج مصابًا حيًا، يأتي إلينا ويقول: اليوم أخرجنا ثلاثة مصابين، والحمد لله كتب الله لهم عمرًا جديدًا، هذا كان يسعده أكثر من أي شيء".

ولم يكن إخلاصه يقتصر على إنقاذ الأرواح، بل امتد إلى حفظ حقوق أصحاب البيوت المدمرة، فكلما عثر بين الركام على ذهب أو مقتنيات ثمينة، كان يعيدها إلى أصحابها.

ويضيف خليل: "كان يرجع ويقول إنه وجد ذهبًا أو أمانات، ثم يذهب بنفسه ليسلمها لأصحابها، بعد ذلك جاء كثير من الناس إلى منزلنا ليشكرونا، كان يعتبر كل ما يجده أمانة في عنقه يجب إعادتها لأصحابها".

المهمة الأخيرة

وفي صباح الخامس عشر من ديسمبر 2023، تلقى اتصالًا عاجلًا يفيد بمحاصرة طاقم قناة "الجزيرة"، ومن بينهم وائل الدحدوح والمصور سامر أبو دقة، قرب مدرسة فرحانة في خان يونس، كان هناك تنسيق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر وجهات أخرى للوصول إلى المكان، فانطلق مع طواقم الدفاع المدني.

يستعيد خليل تلك اللحظات قائلًا: "عندما اقتربنا من المدرسة أطلقت قوات الاحتلال قذيفة أجبرتنا على التراجع، انتظرنا قليلًا، لأننا كنا نأمل أن ننجح في الوصول إليهم، وبعد أن حصلوا على إشارة بالتقدم، تحركوا مرة أخرى".

وعندما بدأت عملية سحب المصابين، رفع نبهان ذراع الجرافة ليحمي رجال الدفاع المدني والصحفيين من القصف، لكن الاحتلال استهدف الجرافة بقذيفة مباشرة، ليستشهد داخلها.

وفي ذات الجريمة الإسرائيلية استشهد رجلا الدفاع المدني نور صقر ورامي بدير، والمصور الصحفي سامر أبو دقة، بينما أصيب مراسل الجزيرة وائل الدحدوح.

في ذلك اليوم، كانت الأسرة قد أعدت له وجبة يحبها؛ "فتة باللحم"، انتظروه حتى المساء، لكن المقعد بقي فارغًا. يقول خليل: "انتظرناه كثيرًا، ولم نكن نعلم تفاصيل الجريمة، ثم جاء أفراد الدفاع المدني وأخبرونا أن أبي استشهد، كانت صدمة كبيرة، لأنه لم يكن فقط والدنا، بل كان سند البيت كله".

وبرحيل نبهان انتقلت مسؤولية الأسرة إلى نجله الأكبر، الذي وجد نفسه يحمل أمانة والده ويرعى والدته وإخوته، لكن ما بقي حاضرًا في ذاكرة العائلة ليس فقط لحظة استشهاده، بل تلك الأشهر التي قضاها متطوعًا ينقذ الآخرين، رحلة قصيرة في الزمن، لكنها كبيرة في معناها، بدأت عندما قرر رجل في الثانية والستين من عمره أن يواجه الموت كل يوم، لا بحثًا عن بطولة، بل إيمانًا بأن إنقاذ حياة واحدة يستحق أن يُخاطر الإنسان بحياته كلها.

اخبار ذات صلة