قائمة الموقع

السيقلي عاد من الأسر ليواجه مأساة استشهاد أبنائه الستة

2026-08-07T10:44:00+03:00
الأسير أحمد السيقلي لحظة الإفراج عنه
فلسطين أون لاين

لم تكد الحافلة التي أقلّت الأسرى المحررين تصل إلى قطاع غزة، حتى غلبت الدموعُ أحمدَ عبد الكريم السيقلي وهو يشاهد مدينته للمرة الأولى منذ سنوات.

كانت لحظة العودة التي انتظرها طويلاً تختلط بمشاعر متناقضة؛ فرحة استعادة الحرية، وحزن ثقيل على عائلة لم تعد كما تركها.

ويقول السيقلي، الذي كان يعمل داخل الأراضي المحتلة قبل اعتقاله، لصحيفة "فلسطين": "كنت أعمل هناك، وبعد اندلاع الحرب على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 انتقلنا إلى الضفة الغربية، وقبل بضعة أسابيع داهم الجيش مكان سكننا في قلقيلية عند الساعة الثانية فجراً. اقتحموا المكان بعنف، وبدؤوا في الصراخ والضرب والتفتيش، ثم نقلونا إلى أحد المواقع العسكرية، حيث تعرضنا لتحقيقات ومعاملة قاسية، قبل أن يحولونا إلى سجن عوفر".

ويضيف أن الأيام الأولى من الاعتقال كانت من أصعب ما مرّ عليه، إذ تنقل بين عدة مواقع احتجاز قبل أن يمكث 15 يوماً في سجن عوفر، واصفاً ظروف الاحتجاز بأنها "سيئة جداً"، في حين يفضل عدم الخوض في تفاصيل ما تعرض له، قائلاً: "الذي عشناه لا يمكن وصفه بالكلمات".

وخلال فترة اعتقاله، كان السيقلي معزولاً عن عائلته، ولم يكن يعلم إلا القليل عما يجري في قطاع غزة، الذي تعرض لحرب مدمرة أودت بحياة عشرات الآلاف من الفلسطينيين، ودمرت أحياء سكنية بأكملها.

لكن الصدمة الأكبر جاءت عندما أُبلغ باستشهاد أطفاله الستة في قصف استهدف المبنى الذي كانت تقيم فيه أسرته.

ويستعيد تلك اللحظة بصوت متقطع قائلاً: "كانت صدمة كبيرة جداً. عندما أخبروني بما حدث انهرت تماماً، ونُقلت إلى المستشفى وتلقيت محاليل طبية بسبب شدة الصدمة".

ويضيف أن أكبر أبنائه كان يبلغ من العمر 17 عاماً، بينما كانت أصغرهم رضيعة لم تتجاوز الشهرين.

ويقول بحسرة: "استشهدوا جميعاً... كان بينهم توأم يبلغان ثماني سنوات، وطفلتي الرضيعة التي لم أرها إلا مرة واحدة قبل مغادرتي للعمل".

ولم يكن فقد الأبناء وحده ما واجهه السيقلي، إذ أصيبت زوجته وابنته أيضاً خلال القصف، لكنهما تمكنتا من النجاة رغم إصابتهما بشظايا.

ويروي تفاصيل المجزرة قائلاً: "المبنى كان يضم نحو 120 شخصاً، ولم ينجُ منه سوى خمسة فقط؛ زوجتي وابنتي، وثلاثة أشخاص من عائلات أخرى، أما البقية فقد استشهدوا".

وتعكس هذه الأرقام حجم الكارثة التي عاشتها الأسرة، بعدما تحول المبنى السكني إلى مقبرة جماعية في لحظات إثر انهياره على من بداخله من جراء القصف.


 

ورغم حجم الفاجعة، يكرر السيقلي عبارة "الحمد لله" كلما تحدث عن أبنائه أو عن أيام الاعتقال، في محاولة للتشبث بالإيمان أمام خسارة يصعب استيعابها.

ويصف لحظة دخوله غزة بعد الإفراج عنه بأنها كانت ممزوجة بالألم والأمل في آن واحد، قائلاً: "شعور العودة لا يوصف... فرحة كبيرة أن أرى غزة وأهلها وأرض الوطن من جديد".

غير أن مشهد الدمار الذي استقبله كان مختلفاً عما احتفظ به في ذاكرته قبل الاعتقال.

ويقول وهو يتأمل ما خلفته الحرب: "ما رأيته مؤسف جداً... الدمار كبير جداً، شيء يشيب له الرأس".

وأُفرج عن السيقلي مساء أول من أمس، ضمن دفعات من الأسرى الفلسطينيين الذين عادوا إلى قطاع غزة بعد أشهر من الاعتقال، ليجد كثير منهم أن الحرب غيّرت كل شيء؛ منازل مدمرة، وأحياء أزيلت بالكامل، وعائلات فقدت أبناءها وأقاربها.

وبالنسبة للسيقلي، لم تكن العودة نهاية رحلة المعاناة، بل بداية مواجهة واقع جديد يخلو من أصوات أطفاله الذين كانوا ينتظرون عودته.

ورغم كل ما فقده، يتمسك الرجل بالإيمان، مردداً: "الحمد لله على كل حال"، وهي العبارة التي تختصر رحلة امتدت من زنزانة الأسر إلى ركام المنزل، ومن انتظار الحرية إلى مواجهة أكبر خسارة يمكن أن يعيشها أب.

وتأتي قصة السيقلي في سياق معاناة مئات العمال الفلسطينيين من قطاع غزة الذين كانوا يعملون داخل الأراضي المحتلة أو في الضفة الغربية عند اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تعرض كثير منهم للاعتقال أو الاحتجاز والتحقيق، فيما انقطعت أخبارهم عن عائلاتهم لأشهر. وخلال تلك الفترة، عاد عدد منهم بعد الإفراج عنهم ليجدوا منازلهم مدمرة، أو أفراداً من أسرهم قد استشهدوا أو نزحوا، لتتحول لحظة الحرية المنتظرة إلى بداية مواجهة خسائر إنسانية ثقيلة خلفتها الحرب.

اخبار ذات صلة