قائمة الموقع

مليارات الدولارات تُستنزف تحت بند "التنسيقات".. عبء مالي على كاهل الغزيين

2026-08-07T09:58:00+03:00
التجار في غزة تكبدوا مبالغ "طائلة" تجاوزت ملياري دولار أمريكي تحت مسمى "التنسيقات" (أرشيف)
فلسطين أون لاين

تتصاعد التحذيرات من تداعيات ما يُعرف بـ"التنسيقات" المفروضة إسرائيليا على حركة إدخال البضائع، التي باتت تشكل عبئًا ماليًا غير مسبوق على التجار والقطاع الخاص، وسط اتهامات بوجود ممارسات غير قانونية واستغلال واضح للظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة.

وتحدثت غرفة تجارة وصناعة وزراعة محافظة غزة عن معطيات ميدانية وإحصائيات موثقة تشير إلى أن التجار وأصحاب المنشآت الاقتصادية في قطاع غزة تكبدوا مبالغ "طائلة وغير مبررة" تجاوزت ملياري دولار أمريكي، وذلك تحت مسميات "التنسيقات الأمنية" ورسوم غير رسمية ومتطلبات إجرائية وصفتها بالتعسفية عند المعابر، خلال فترات الحصار والحرب الممتدة.

ويوضح عضو مجلس الإدارة في الغرفة، حسام الحويطي أن الأعباء المالية تشكل استنزافًا غير قانوني للاقتصاد المحلي، إذ ساهمت بشكل مباشر في رفع تكلفة البضائع الأساسية والمواد الخام ومواد الإعمار، الأمر الذي انعكس سلبًا على أسعار السلع للمواطنين، وأضعف قدرة المنشآت المحلية على المنافسة والاستمرار في السوق.

ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن هذه الممارسات أدت إلى تعقيد سلاسل الإمداد وتحويلها إلى عمليات مكلفة وغير فعالة، لا تخدم أي أهداف تنموية أو إنسانية، مؤكدة أن هذه الرسوم لا تستند إلى أي نظام جمركي أو قانوني معتمد، بل تُفرض بشكل انتقائي.

ويبين الحويطي، أن هذه السياسات ساهمت في تفاقم الأزمة الاقتصادية، من خلال استنزاف السيولة المالية، وإغلاق آلاف المحلات والمصانع، وتعميق الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يشهدها القطاع.

ويطالب المجتمع الدولي والجهات الضامنة والمنظمات المعنية بالشؤون الإنسانية والتجارية إلى التدخل الفوري لوقف هذه الممارسات، وإلغاء جميع الرسوم والتنسيقات غير القانونية.

كما يطالب بفتح المعابر وفق آليات رسمية شفافة وموحدة، والعمل على استرداد حقوق التجار والقطاع الخاص، عادا أن ذلك يشكل خطوة أساسية نحو استعادة التدفق التجاري الحر، وخفض الأسعار، وبدء مسار التعافي الاقتصادي وتعزيز الصمود المستدام في قطاع غزة.

تداعيات متزايدة

من جهته يحذر المدير العام المكلف بالدراسات والتطوير والتنمية الاقتصادية في وزارة الاقتصاد د. محمد بربخ من التداعيات المتزايدة لآليات التنسيق على الحركة التجارية والأوضاع المعيشية للمواطنين، مؤكدًا أنها تشكل عبئًا ماليًا مباشرًا يُحمّل في النهاية على كاهل المواطنين، ما ينذر بمخاطر اقتصادية مستقبلية.

ويوضح بربخ لصحيفة "فلسطين" أن استمرار الآليات يحدّ من قدرة المواطنين على تكوين مدخرات مالية، في ظل ارتفاع التكاليف وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي ينعكس سلبًا على مستوى تلبية الاحتياجات الأساسية، لتقتصر في كثير من الأحيان على الحد الأدنى اللازم للبقاء.

ويشير إلى أن  السياسات أسهمت أيضًا في تغيير بنية القطاع التجاري، إذ أفرزت طبقة جديدة من التجار ذوي الطابع الاحتكاري والانتهازي، يُطلق عليهم "تجار الحرب"، ما زاد من تعقيد المشهد الاقتصادي.

ويضيف بربخ أن آليات التنسيق تتم في غياب الشفافية، وترافقها أنشطة لوسطاء وسماسرة يحققون أرباحًا على حساب معاناة المواطنين، ما يفاقم الأزمة ويعمّق آثارها.

ويدعو إلى استعادة الحرية التجارية في الاستيراد، وعدم حصرها في عدد محدود من التجار، معتبرًا ذلك من أبرز الركائز الأساسية لتحقيق التعافي الاقتصادي.

ويبيّن أن الأرقام المتداولة بشأن حجم الأزمة تبقى تقديرية، لكنها تعكس بوضوح عمق المشكلة المرتبطة بآليات التنسيق وتداعياتها على جميع القطاعات.

شرط أساسي

وفي شهادة من داخل السوق، يقول أحد التجار، مفضلًا عدم الكشف عن اسمه: إن "التنسيقات التي نُجبر على دفعها مرتفعة بشكل كبير ومرهق جدًا، وهي تُفرض علينا شرطًا أساسيًا لإدخال البضائع، دون أي إطار قانوني واضح".

ويضيف لصحيفة "فلسطين" أن التكاليف لم تكن موجودة قبل الحرب، فقد كانت حركة الاستيراد تتم بآليات أقل تعقيدًا وتكلفة، لكن الواقع الحالي فرض نظامًا جديدًا قائمًا على دفع مبالغ كبيرة مقابل تسهيل إدخال البضائع.

ويشير التاجر إلى أن  الأعباء تنعكس بشكل مباشر على أسعار المنتجات في السوق المحلي، قائلاً: "في النهاية، نحن التجار نُجبر على تحميل هذه التكاليف على سعر السلعة، لأننا لا نستطيع تحملها وحدنا، وهذا ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المواطن".

ويؤكد أن المشكلة لا تقتصر على ارتفاع التكاليف فقط، بل تمتد إلى وجود حالة من الفوضى وعدم الشفافية في آليات التنسيق. وتزداد الاتهامات بوجود شبهات فساد مالي وإداري مرتبطة بآليات التنسيق، حيث يشير عدد من التجار إلى أن بعض الجهات تستغل الظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة لتحقيق مكاسب غير مشروعة.

ووفقًا لهذه الشهادات، فإن إدخال البضائع أصبح مرتبطًا بجهات محددة، ما يفتح الباب أمام الاحتكار ورفع الأسعار، ويحدّ من مبدأ المنافسة العادلة داخل السوق.

كما أدت هذه الممارسات إلى تعقيد سلاسل الإمداد، وتحويلها إلى عمليات مكلفة وغير فعالة، لا تخدم أي أهداف اقتصادية أو إنسانية، بل تزيد من عمق الأزمة القائمة.

وتشير التقديرات إلى أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في القطاع الاقتصادي، إذ أسهمت بالفعل في إغلاق آلاف المحال التجارية والمصانع، نتيجة عدم القدرة على مواكبة التكاليف المتزايدة.

كما أدت إلى استنزاف السيولة المالية لدى التجار، وتقليص حجم النشاط التجاري، ما انعكس سلبًا على فرص العمل وزاد من معدلات البطالة والفقر.

ولا تزال آليات إدخال البضائع إلى قطاع غزة، تخضع لقيود مشددة، وإجراءات معقدة أعيد تنظيمها بعد الحرب، وتتحكم بها (إسرائيل) بصفتها قوة احتلال، بما يحوّل التجارة من أداة للتعافي الاقتصادي، إلى وسيلة للضغط والتحكم واستمرار الحصار.

اخبار ذات صلة