هناك سؤال يتكرر كثيرًا بعد الحروب والكوارث:
لماذا لا نستطيع أن ننسى؟
لماذا يعود ذلك المشهد فجأة، بالرغم من مرور الوقت؟
لماذا يكفي صوتٌ يشبه صوت الانفجار، أو رائحةٌ معينة، أو شارعٌ مررنا به، حتى نستعيد تفاصيل ظننا أنها انتهت؟
الإجابة ليست ضعفًا في الإنسان، ولا عجزًا عن تجاوز الماضي.
بل هي جزء من الطريقة التي يعمل بها الدماغ عندما يواجه خطرًا شديدًا.
🍀 الدماغ لا يحفظ الذكريات كلها بالطريقة نفسها
ليست كل الذكريات متساوية.
فاللحظات العادية تُحفظ في الذاكرة كجزء من الماضي، أما اللحظات التي ارتبطت بخوف شديد أو تهديد للحياة، فإن الدماغ يتعامل معها بطريقة مختلفة.
كأنه يقول:
"لا تنسَ هذا أبدًا.. فقد تحتاج إليه للبقاء."
ولهذا تبقى الذكريات المؤلمة أكثر وضوحًا، وأكثر قدرة على العودة، حتى بعد سنوات.
🍀 الذاكرة لا تتذكر الحدث فقط.. بل تتذكر الإحساس
حين يتذكر الإنسان موقفًا مؤلمًا، فهو لا يستعيد الصورة فقط.
إنه يستعيد:
- دقات القلب.
- الارتباك.
- رائحة المكان.
- الأصوات.
- والإحساس بالعجز أو الخوف.
ولهذا تبدو بعض الذكريات وكأنها تحدث من جديد، لا كأنها مجرد أحداث مضت.
🍀 لماذا تعود الذكريات دون استئذان؟
يعتقد كثير من الناس أن استرجاع الذكريات المؤلمة يعني أنهم لم يتعافوا.
وهذا ليس صحيحًا دائمًا.
فالدماغ يربط بين الخطر وأي شيء يشبهه.
قد يكون:
- صوتًا.
- رائحة.
- مكانًا.
- تاريخًا معينًا.
- أو حتى خبرًا في وسائل الإعلام.
وفجأة، يجد الإنسان نفسه يعيش مشاعر قديمة، رغم أنه يعرف أنه في لحظة مختلفة.
🍀 في الحروب.. لا تحصل الذاكرة على فرصة للهدوء
في الظروف الطبيعية، تساعد الأيام الهادئة الدماغ على تصنيف الذكريات بوصفها جزءًا من الماضي.
أما في الحروب الممتدة، فإن الخطر يتكرر قبل أن تلتئم آثار الخطر السابق.
فتتراكم الذكريات فوق بعضها، ويصبح من الصعب على العقل أن يقول: "لقد انتهى الأمر."
ولهذا فإن الإنسان لا يعيش ذكرى واحدة، بل يعيش سلسلة متصلة من الذكريات التي لم تُمنح فرصة لتصبح ماضيًا.
🍀 هل النسيان هو الشفاء؟
كثيرون يتمنون أن ينسوا.
لكن الشفاء لا يعني محو الذاكرة.
فالإنسان لا يشفى لأنه نسي، بل لأنه لم يعد أسيرًا لما يتذكر.
قد تبقى الذكرى، لكن يتغير أثرها.
قد يستعيدها، دون أن تعصف به كما كانت من قبل.
وهذا هو الفرق بين الذاكرة الجريحة، والذاكرة التي بدأت تلتئم.
🍀 ما الذي يساعد الذاكرة على الالتئام؟
الوقت وحده لا يكفي.
فالذاكرة تحتاج أيضًا إلى:
- شعور بالأمان.
- أشخاص يُصغون دون إصدار أحكام.
- فرصة للتعبير عن المشاعر.
- وبيئة لا تُعيد إنتاج الصدمة كل يوم.
فالإنسان لا ينسى لأن الزمن مر، بل لأن قلبه وجد مساحة آمنة يحمل فيها ذكرياته دون أن تسحقه.
🍀 في غزة.. ليست المشكلة أننا نتذكر
المشكلة أن كثيرًا من الذكريات لم تنتهِ أصلًا.
فالبيت الذي هُدم، والفقد الذي تكرر، والخوف الذي يعود مع كل تصعيد.. يجعل الماضي حاضرًا باستمرار.
ولذلك، فإن مطالبة الناس بأن "ينسوا" قد تكون مطالبة غير واقعية، بل وغير عادلة.
الأقرب إلى الإنسانية أن نساعدهم على حمل ذاكرتهم، لا أن نطالبهم بالتخلص منها.
🍀 الخاتمة
الذاكرة الجريحة ليست علامة ضعف، بل شاهدٌ على أن الإنسان مرّ بتجربة تجاوزت قدرته العادية على الاحتمال.
وإذا كان الجسد يحمل الندوب بعد الجراح، فإن النفس تحمل ندوبها أيضًا.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس:
لماذا لا ننسى؟
بل:
كيف نمنح ذاكرتنا فرصة لأن تبقى شاهدة على ما حدث.. دون أن تبقى سجينة له؟

