تشهد أوضاع الأسرى في سجن "النقب" تصعيدًا جديدًا، عقب اقتحام وزير ما يسمى الأمن القومي في حكومة الاحتلال إيتمار بن غفير، أمس السجن، وإصداره أوامر بمصادرة ما تبقى من ملابس الأسرى، في خطوة أثارت إدانات واسعة، وعدت امتدادًا لسياسة العقاب الجماعي والتنكيل الممنهج بحق المعتقلين.
وأكد مكتب إعلام الأسرى، أن إدارة السجن شرعت في تنفيذ تعليمات بن غفير، وصادرت ما تبقى من ملابس الأسرى، بالرغم من أن معظمهم لا يملكون سوى بلوزة واحدة وبنطال واحد، إلى جانب قطعة أو قطعتين من الملابس الداخلية.
وأضاف المكتب، في بيان له، أن إدارة السجن صادرت كذلك المصاحف من الزنازين، ولم تُبقِ سوى على مصحف واحد لكل قسم يضم نحو "15" زنزانة، ما حرم الأسرى من ممارسة شعائرهم الدينية بصورة طبيعية، وفاقم من معاناتهم اليومية.
وأشار إلى استمرار الظروف الإنسانية القاسية داخل السجن، مع سوء الطعام المقدم، والنقص الحاد في مواد النظافة، وتقليص مدة "الفورة" إلى 45 دقيقة فقط، وهي الفترة التي يضطر خلالها الأسرى للاستحمام وقضاء احتياجاتهم الأساسية.
سياسة التنكيل
ورأى المحرر المختص بشؤون الأسرى جهاد غبن، أن اقتحام بن غفير، لسجن "النقب" ومصادرة الملابس والمصاحف يعكس استمرار سياسة التنكيل بالأسرى، مستفيدًا من غياب أي ردع دولي حقيقي أو مواقف فاعلة توقف هذه الانتهاكات.
وأوضح غبن، في حديث لصحيفة "فلسطين" أن الاعتداءات على الأسرى داخل السجون أصبحت شبه يومية، وتشمل الاقتحامات العنيفة، واستخدام قنابل الصوت والرصاص، والاعتداء على المعتقلين، ومنع العلاج، وتقليص الطعام، وحرمانهم من مستلزمات النظافة والمياه الصالحة للشرب.
وأضاف: أن هذه الممارسات تترك آثارًا نفسية قاسية على الأسرى وعائلاتهم، مع شعور متزايد بأن المجتمع الدولي لا يوفر لهم الحماية اللازمة، مطالبًا اللجنة الدولية للصليب الأحمر والمؤسسات الحقوقية بإدانة هذه الجرائم والتحرك لوقفها.
تصعيد خطير
من جانبها، أكدت الباحثة في مجال حقوق الانسان إيمان أبو عويمر، أن مصادرة الملابس والمصاحف، وتقليص الحقوق الأساسية للأسرى، تمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة العقاب الجماعي والإذلال الممنهج، وتهدف إلى المساس بكرامتهم وإلحاق الأذى النفسي والجسدي بهم.
وأوضحت أبو عويمر لصحيفة "فلسطين" أن هذه الإجراءات لا تستند إلى أي "ضرورة أمنية"، وإنما تستهدف الانتقاص من الحقوق الدينية والإنسانية التي تكفلها قواعد القانون الدولي الإنساني، وفي مقدمتها اتفاقية جنيف الرابعة.
وأشارت إلى أن سلطات الاحتلال ملزمة قانونًا بمعاملة الأسرى معاملة إنسانية واحترام كرامتهم، مؤكدة أن الحرمان من الاحتياجات الأساسية والحقوق الدينية يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، ويستوجب المساءلة القانونية.
وحذرت من أن استمرار سياسة التجويع، وسوء التغذية، ونقص مواد النظافة، والحرمان من الرعاية الصحية، يهدد حياة الأسرى بصورة مباشرة، ويؤدي إلى تدهور أوضاعهم الصحية والنفسية داخل السجون.
آليات المساءلة
وأكدت أبو عويمر، أن هذه الانتهاكات ارتقت إلى مستوى المعاملة القاسية واللاإنسانية، وقد تشكل جرائم تستوجب التحقيق والمحاسبة وفق أحكام القانون الدولي، مطالبة المجتمع الدولي بالتدخل العاجل لحماية الأسرى ومنع سقوط المزيد من الضحايا.
وأشارت الباحثة في مجال حقوق الانسان، إلى أن الآليات القانونية المتاحة تشمل توثيق الانتهاكات، وإحالتها إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتفعيل آليات الأمم المتحدة والمقررين الخاصين، إلى جانب ممارسة ضغط دبلوماسي جاد من الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف.
وشددت على ضرورة أن تقوم اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدورها الإنساني، عبر متابعة أوضاع الأسرى وزيارة أماكن احتجازهم، مؤكدة أن فعالية هذه الآليات تبقى مرهونة بالإرادة السياسية للدول، وباستمرار الضغط القانوني والحقوقي.
بدوره، شدد مكتب إعلام الأسرى، على أن ما يجري داخل سجن "النقب" يمثل تصعيدًا خطيرًا في سياسة العقاب الجماعي التي تنتهجها سلطات الاحتلال بحق الأسرى الفلسطينيين، داعيًا المؤسسات الحقوقية والإنسانية إلى التحرك العاجل لوقف الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
ومنذ توليه منصب وزير الأمن القومي مطلع عام 2023، صعّد بن غفير، الإجراءات العدائية بحق الأسرى، والتي شملت الاعتداءات الجسدية، والتجويع، والحرمان من العلاج والرعاية الصحية، إضافة إلى التعذيب الجسدي والنفسي والتهديدات المتكررة خلال اقتحام السجون.
ووفق الإحصائيات الرسمية، تواصل سلطات الاحتلال احتجاز نحو 9400 أسير فلسطيني، بينهم 99 أسيرة، وأكثر من 350 طفلًا، و3244 معتقلًا إداريًا، إضافة إلى آلاف المعتقلين من قطاع غزة، الذين لا يزال عدد كبير منهم رهن الاحتجاز منذ اندلاع الحرب على غزة في السابع من أكتوبر 2023.

