لم ينتظر رجل الدفاع المدني عيسى أبو القمصان، وصول مركبة بديلة عندما تعطلت سيارة الإنقاذ في منتصف الطريق قبيل الفجر. حمل مع زملائه المطارق والمعاول وما توافر لديهم من أدوات، وانطلقوا راكضين لمسافة تقارب كيلومترين نحو منزل استُهدف في حي الصبرة جنوبي مدينة غزة. وقد وصلوا منهكين، بالكاد يلتقطون أنفاسهم، قبل أن يباشروا مجددًا في الحفر بين الركام وانتشال المصابين والشهداء.
بالنسبة لرجال الدفاع المدني، لم يكن هناك متسع للتوقف، فكل دقيقة قد تعني حياة شخص ما يزال تحت الأنقاض.
يعمل أبو القمصان في جهاز الدفاع المدني منذ أواخر 2020، متنقلاً بين مهام الإطفاء والإنقاذ والإسعاف وقيادة مركبات الإسعاف. ومع اندلاع الحرب، تحولت المهام اليومية إلى سباق محموم مع الزمن مع استمرار القصف المتواصل، ونقص المعدات، وتكرار استهداف طواقم الإنقاذ.
يقول لـ"فلسطين": "لم نشهد في حياتنا حربًا كهذه، الخوف شعور طبيعي، ولا يوجد إنسان لا يخاف من الموت، لكن عندما ترى الأطفال والناس تحت الركام يمنحك الله قوة تدفعك إلى مواصلة الإنقاذ".
أدوات بسيطة
لم يكن نقص المعدات تفصيلاً ثانويًا في عمل طواقم الدفاع المدني، بل عاملاً حاسمًا في تحديد سرعة عمليات الإنقاذ وفاعليتها.
يوضح أبو القمصان أن الطواقم كانت تعتمد على المطارق والمعاول وأدوات بدائية، في حين كانت الأيدي الأداة الأساسية لإزالة الركام، مشيرًا إلى أن العديد من الإصابات التي تعرض لها أفراد الطواقم نتجت عن العمل داخل فراغات ضيقة لا يتجاوز ارتفاعها أحيانًا ثلاثين سنتيمترًا.
ويقول: "كانت أيدينا تتعرض للجروح باستمرار، ورؤوسنا تصطدم بالأسقف المنهارة. لو توافرت حفارات أو معدات ثقيلة لاختصرنا ساعات طويلة وربما أنقذنا مزيداً من الأرواح".
ويستذكر إحدى الليالي التي تعطلت فيها مركبة الإنقاذ في أثناء التوجه إلى موقع استهداف في حي الصبرة، ما اضطر أفراد الطاقم إلى حمل معداتهم والركض حتى الوصول إلى المكان.
ويضيف: "وصلت وأنا غير قادر على تحريك قدمي من شدة الإرهاق، جلست دقائق ألتقط أنفاسي، ثم عدت للمشاركة في انتشال امرأة وثلاثة أطفال كانوا تحت الركام".
صوت طفل
من بين عشرات المهمات التي شارك فيها، بقيت عملية إنقاذ طفل في حي الصبرة الأكثر رسوخًا في ذاكرته.
بعد ساعات من انتشال الشهداء والمصابين، كانت الطواقم تستعد لمغادرة الموقع، قبل أن يبلغهم أحد السكان بسماع صوت خافت يصدر من تحت الأنقاض.
نزل أبو القمصان بين الكتل الخرسانية بحثًا عن مصدر الصوت، في حين بدأ زملاؤه في الحفر دون تحديد دقيق لمكان الطفل.
ويقول: "أنزلنا كشافًا مربوطًا بحبل، وسألناه: هل تراه؟ فأجاب: رأيته. عندها حددنا تقريبًا موقعه وبدأنا الحفر باتجاهه".
وخلال عملية الحفر، عثرت الطواقم على جثماني رجل وامرأة، قبل الوصول إلى الطفل الذي حمت قطعة خشبية صغيرة وجهه من الكتل الإسمنتية.
ما إن أزيلت القطعة حتى طلب الطفل الماء، ثم بدأ ينادي والديه.
ويقول أبو القمصان: "ظل الطفل يردد: أين أمي؟ أين أبي؟ في حين كنت أعلم أنهما استُشهدا. لم أجد حينها ما أقوله له".
استمرت عملية الإنقاذ حتى منتصف الليل، قبل أن يُنتشل الطفل حيًا بعد ساعات طويلة قضاها تحت الركام.
تحت الاستهداف
لم تكن طواقم الدفاع المدني تواجه خطر انهيار المباني فحسب، بل كانت عرضة للاستهداف المباشر في أثناء تنفيذ مهامها.
ويروي أبو القمصان أنه توجه بسيارة إسعاف إلى منطقة دوار المالية بعد بلاغ عن إصابات، ليجد دبابة إسرائيلية في المكان، وأثناء حديثه مع أحد أفراد اللجنة الدولية للصليب الأحمر بدأت طائرة مسيّرة بإطلاق النار باتجاههم.
ويقول: "انسحبنا من المكان مع بدء إطلاق النار، ولو كان هناك مصابون مؤكَّدون لتقدمنا رغم الخطر".
وفي مهمة أخرى بمنطقة السنافور، تعرضت سيارة الإسعاف المرافقة للصليب الأحمر للقصف فور وصولها، ما اضطر الطاقم إلى الانسحاب وإعادة التنسيق قبل محاولة الوصول مجددًا.
ورغم ذلك، يؤكد أن أفراد الدفاع المدني لم يترددوا في الاستجابة لأي مهمة عند التأكد من وجود مصابين.
ويقول: "كنا نخرج ونحن نعلم أننا قد نستشهد في أي لحظة، لكننا لم نكن لنترك مصابًا يستغيث بنا".
وداع زميل
وسط كل ما شاهده من دمار، تبقى لحظة استشهاد زميله علي عمر، من أكثر الذكريات إيلامًا.
قبل ساعات من استهدافه، كان أفراد الطاقم يمارسون لعبة الكرة الطائرة خلال استراحة قصيرة داخل المركز.
يقول أبو القمصان: "كان علي من أكثر الناس أدبًا واحترامًا، وكنا نمزح ونضحك معًا، ثم جاءت المهمة ليلاً".
ويصفه بأنه كان من أوائل المبادرين إلى التقدم نحو مواقع القصف، مشيرًا إلى أنه كثيرًا ما كان يسبقه إلى داخل المباني المدمرة بحثًا عن ناجين.
وخلال إحدى مهام الإنقاذ، صعد علي على درج متضرر داخل مبنى مدمر بينما كان بقية أفراد الطاقم في الأسفل، قبل أن يتعرض الموقع لقصف إسرائيلي مباشر.
ويقول: "فجأة وقع الانفجار وامتلأ المكان بالغبار، وعندما انقشع تبين أن علي استشهد في اللحظة نفسها".
كما فقد زميلاً آخر وهو منذر الدهشان، خلال مهمة إنقاذ في حي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، بعد استهداف مباشر أثناء محاولتهم إنقاذ المدنيين.
بين العائلة والواجب
نزحت عائلة أبو القمصان إلى جنوب قطاع غزة، بينما بقي هو في مدينة غزة طوال أشهر الحرب لأداء مهامه.
يقول أبو القمصان: إن ذلك شكّل أحد أصعب التحديات النفسية التي واجهها، إلا أنه لم يفكر في مغادرة موقع عمله.
ويضيف: "كانت عائلتي كلها في الجنوب، وكنت الوحيد الذي بقي في غزة. كان الأمر صعبًا، لكنني لم أستطع أن أترك عملي".
لم يكن أبو القمصان حالة منفردة بين رجال الدفاع المدني، إذ دفعت الطواقم ثمنًا باهظًا، إذ تفيد إحصاءات رسمية، بأن عدد شهداء الجهاز بلغ 146 شهيدًا منذ اندلاع حرب الإبادة، فيما تعرضت طواقمه ومعداته للاستهداف خلال عمليات الإنقاذ.
وبينما واصل أبو القمصان عمله وسط ظروف قاسية، بقيت كل مهمة تحمل احتمال الفقد، سواء بفقدان زميل أو مواجهة خطر يهدد حياته.
ويقول: "نحن نذهب إلى المكان ونحن نعرف أن الخطر موجود، لكن طالما هناك شخص يحتاج إلينا سنحاول الوصول إليه".