في الوقت الذي كانت فيه قلوب المرضى في قطاع غزة تبحث عن أطباء ينقذون نبضها المتعب، كان الطبيب أحمد شحادة يقف في الخطوط الأولى داخل مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس، متمسكًا بواجبه الإنساني، بالرغم من القصف والحصار والنزوح.
لكن الطبيب الذي أمضى سنواته في إنقاذ حياة الآخرين، وجد نفسه أسيرًا خلف القضبان، بعد أن اعتقلته قوات الاحتلال الإسرائيلي من داخل المجمع الطبي في 16 فبراير/شباط 2024، خلال اقتحام المستشفى، في حين كان على رأس عمله في قسم القلب.
ومنذ ذلك اليوم، تعيش عائلته انتظارًا طويلًا لعودته، في حين يؤكد زملاؤه أن اعتقاله شكّل خسارة كبيرة لقسم القلب في مجمع ناصر، الذي فقد أحد أطبائه الاختصاصيين الذين واصلوا العمل حتى اللحظات الأخيرة.
تقول زوجته سوزان شحادة إن زوجها، استشاري أمراض القلب، لم يكن لديه أي تهمة، وإن اعتقاله جاء وهو يؤدي عمله الطبي.
وتضيف لصحيفة "فلسطين": “الدكتور أحمد طبيب قلب يعمل في مجمع ناصر منذ عام 2008، وكان آخر طبيب في قسم القلب، لم يكن لديه أي تهمة، ولم يُعرف عنه إلا أنه طبيب يخدم المرضى”.
وتوضح أن زوجها لم يكن منتميًا لأي جهة سياسية، وكان كل اهتمامه منصبًا على عمله ومرضاه، قائلة: “هو طبيب إنسان، حنون ورحيم، كان نِعم الزوج والأب، بارًا بأهله وأسرته”.
خلال الحرب، وبينما كانت العائلة تبحث عن مكان آمن، اختار شحادة البقاء في مجمع ناصر الطبي، مدركًا أن المرضى بحاجة إلى وجوده.
تروي زوجته أن منزل العائلة في حي الكتيبة بمدينة خانيونس تعرض للقصف، واضطرت الأسرة إلى النزوح، بينما بقي زوجها في المستشفى.
وتقول: “هو أصر أن يظل في ناصر، لأننا نزحنا إلى مكان لم يكن مناسبًا لوجود الرجال، وكان يرى أن واجبه هو البقاء مع المرضى، كان المستشفى بيته الثاني”.
لم يتخلَّ شحادة عن رسالته الطبية حتى في أصعب الظروف، إذ واصل علاج المرضى والنازحين الذين كانوا يقصدونه للحصول على الاستشارة الطبية.
وتضيف زوجته: “حتى ونحن نازحون، كان يكتب علاجات للناس ويعاين المرضى، كان يعطي الأولوية للمرضى قبل نفسه”.
"مكانه بين المرضى.."
وفي إحدى أصعب لحظات الحرب، عاشت الأسرة تجربة قاسية خلال محاولة النزوح، حين فقدت أثر طفلها عمر وسط الزحام، ليعود د. أحمد إلى البحث عنه رغم الخطر.
وتقول سوزان: “كان يومًا يشبه يوم القيامة، ابني عمر تاه بين الناس، ورجع أحمد يبحث عنه، وبعدها عاد إلى المستشفى، رفض الخروج لأن طريقة الخروج كانت مهينة، وظل مع زملائه على رأس عمله حتى اقتحام قوات الاحتلال المستشفى واعتقاله”.
ترك غياب الطبيب الأب أثرًا عميقًا في حياة أطفاله الأربعة، الذين حُرموا من وجوده طوال فترة اعتقاله.
ويقول نجله عمر، الذي كان في الصف الأول عندما اعتُقل والده وأصبح اليوم في الصف الرابع: “بابا كان في المستشفى وأخذوه، أنا محتاج له كثير، وبحبه كثير، بابا مكانه بين المرضى وليس في السجن”.
ويوجه عمر رسالة إلى العالم، مطالبًا بالضغط من أجل الإفراج عن والده وجميع الأسرى، مؤكدًا أن والده كان يؤدي واجبه الإنساني فقط.
وبحسب زوجته، فإن أحمد شحادة يقبع حاليًا في سجن النقب، وقد جرى تمديد اعتقاله الإداري دون توجيه تهمة واضحة له.
وتشير إلى أن آخر المعلومات التي وصلت للعائلة عبر المحامي تفيد بتدهور أوضاعه الصحية داخل السجن، إذ فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، ويعاني الأسرى من ظروف اعتقال قاسية وانتشار الأمراض بينهم.
وتقول: “هو مريض أصلًا بالربو، وعندما اعتُقل كان يعاني من أزمة صدرية، نطالب العالم أن ينظر إلينا بعين الرحمة، هؤلاء الأطباء، كانوا يؤدون واجبهم الإنساني”.
فراغ كبير
على الجانب المهني، يؤكد الدكتور أحمد شعت، رئيس قسم القلب في مجمع ناصر الطبي، أن اعتقال شحادة ترك فراغًا كبيرًا داخل القسم.
ويقول شعت: “الدكتور أحمد شحادة كان زميلًا عزيزًا، غاية في الأدب والاحترام، وكان خلوقًا وملتزمًا بعمله، كان اختصاصيًا مجتهدًا وطموحًا”.
ويضيف أن شحادة كان من الأطباء الذين يعتمد عليهم زملاؤه في أوقات الضغط، موضحًا أنه كان حاضرًا دائمًا للمساعدة ولا يتأخر عن أداء أي مهمة.
ويستذكر موقفًا جمعه به قبل نحو عشرين عامًا، عندما اضطر لمغادرة المستشفى بسبب سرقة منزله خلال إحدى المناوبات، فاتصل بشحادة ليغطي مكانه، فحضر فورًا وبقي في القسم حتى عودته.
ويؤكد شعت أن قسم القلب تأثر بشكل واضح بعد اعتقال شحادة، قائلًا: “فقدنا جزءًا من الاختصاصيين الذين كانوا يعملون لدينا، تأثرنا في المناوبات والعمل الصباحي والتحويلات الطبية والمشاورات والنقاشات”.
ويشدد على أن المكان الطبيعي للطبيب أحمد شحادة هو المستشفى بين مرضاه، وليس خلف القضبان، مضيفًا: “هو طبيب وأخصائي، ويجب أن يكون في مكانه يقدم الخدمة للمرضى”.
قصة أحمد شحادة تختصر جانبًا من معاناة الكوادر الطبية في غزة خلال الحرب؛ أطباء واصلوا العمل تحت الخطر لإنقاذ حياة الآخرين، قبل أن يتحولوا هم أنفسهم إلى ضحايا للاعتقال والغياب.
وبينما ينتظر أطفاله عودته، ويفتقده زملاؤه في قسم القلب، يبقى اسم الطبيب الأسير حاضرًا في ذاكرة مجمع ناصر، كواحد من أولئك الذين اختاروا البقاء إلى جانب مرضاهم حتى آخر لحظة.

