تحولت الأزمة الصحية في قطاع غزة إلى تهديد يومي يثقل كاهل آلاف المرضى، بعدما لم يعد نقص الأدوية واللوازم الطبية مجرد أزمة عابرة، بل أصبح معركة مستمرة للبقاء في وجود واقع صحي يزداد هشاشة يوماً بعد آخر.
وبين رفوف صيدليات خالية، ومخازن تتناقص محتوياتها، ومستشفيات تكافح للحفاظ على قدرتها المحدودة في تقديم العلاج، يجد المرضى أنفسهم أمام طريق محفوف بالمخاطر بحثاً عن دواء قد لا يصل في الوقت المناسب.
وفي دير البلح وسط القطاع، جاء استهداف مستودع للأدوية التابعة لمستشفى شهداء الأقصى قبل أيام ليضيف فصلاً جديداً إلى مأساة القطاع الصحي المنهك، بعدما طال القصف إمدادات حيوية مخصصة لعلاج المرضى والجرحى، بينها لوازم تستخدم في أقسام حرجة مثل غسيل الكلى والعناية المركزة.
ولم يكن الدمار الذي خلفه القصف مجرد أضرار مادية، بل ضربة طالت شرياناً أساسياً للحياة، في وقت تتقلص فيه الخيارات العلاجية وتزداد المخاوف من تداعيات النقص على آلاف المرضى.
صراع مع الموت
في مدينة غزة، حيث تتراكم الأنقاض وتتعالى صرخات الألم، يعيش غسان حجيلة، البالغ من العمر 55 عاماً، كابوساً يومياً لا ينتهي. حجيلة الذي كان يعمل مهندساً مدنياً قبل أن تنهكه أمراض الكلى، يجد نفسه اليوم في سباق مع الزمن للحصول على جلسات غسيل الكلى الثلاثة التي يحتاجها أسبوعياً.
يقول حجيلة لصحيفة "فلسطين": "كل جلسة غسيل هي بمنزلة قبلة حياة مؤقتة، لكن الحصول عليها أصبح معجزة بحد ذاتها (...) أشعر وكأنني أتسول حقي في البقاء على قيد الحياة. هل يعقل أن يكون الدواء والمستلزمات الطبية التي تبقيني حياً، هي ذاتها التي يمنعها الاحتلال عنا؟".
قبل الحرب، كانت رحلة حجيلة إلى مستشفى الشفاء، حيث يتلقى علاجه، روتينية. أما اليوم، فقد تحولت إلى رحلة محفوفة بالمخاطر، يقطعها سيراً على الأقدام أحياناً، أو على عربة تجرها دابة في أحسن الأحوال، بسبب نقص الوقود وتدمير الطرق "في كل مرة أخرج فيها من المنزل، لا أعلم إن كنت سأعود" يضيف غسان.
ويتابع: "الخوف لا يكمن في القصف فقط، بل في فكرة أن أصل إلى المستشفى لأجد الأجهزة متوقفة، أو المواد اللازمة لغسيل الكلى قد نفدت. هذا هو الموت البطيء بعينه".
زوجته، أم أحمد، تقف إلى جانبه كالجبل، تحاول أن تمنحه القوة، لكن عينيها تفضحان قلقها العميق "أراه يذبل أمامي، ولا أملك شيئاً لأفعله.. أبحث في كل مكان عن أي بصيص أمل، عن أي دواء قد يخفف عنه الألم، لكن لا جدوى. الصيدليات فارغة، والمستشفيات تعاني. أخشى أن يأتي اليوم الذي لا أستطيع فيه أن أجد له مكاناً على سرير الغسيل، حينها ماذا سأفعل؟".
يستذكر حجيلة الأيام التي كان فيها يخطط لمستقبل أبنائه، وكيف تحولت أحلامه إلى مجرد صراع للبقاء "كنت أحلم بأن أرى أولادي يتخرجون من الجامعات، وأن أعيش حياة كريمة،" يقول بحسرة "الآن، كل ما أتمناه هو أن أستطيع أن أتنفس، وأن أرى شروق الشمس لغد جديد. هذا الحصار يقتلنا ببطء، ويحرمنا من أبسط حقوقنا في الحياة والعلاج. إنها جريمة ضد الإنسانية، ولن يغفرها التاريخ".
عيون تائهة في ظلام الحصار
في حي النصر غرب مدينة غزة، تعيش إكرام العزيزي، البالغة من العمر 40 عاماً، على انقاض منزلها المدمر تحاول أن تميز ملامح أبنائها، لكن الرؤية تزداد ضبابية يوماً بعد يوم. العزيزي التي كانت تتمتع ببصر حاد، أصبحت تعاني ضعفا شديدا في البصر والتهابات حادة في القرنية، نتيجة للغبار المتطاير ونقص النظافة، والأهم من ذلك، غياب الدواء.
"عيني تؤلمني كالجمر،" تقول العزيزي لصحيفة "فلسطين" وهي تضع يدها على عينيها الحمراوين "أشعر وكأنني أفقد بصري ببطء، وهذا أسوأ من أي جرح آخر. كيف سأرى أبنائي؟ كيف سأعتني بهم إذا فقدت بصري؟".
قبل الحرب، كانت العزيزي تعتمد على قطرات معينة ومضادات حيوية للسيطرة على الالتهابات الموسمية. أما الآن، فقد اختفت هذه الأدوية تماماً من الصيدليات "ذهبت إلى كل صيدلية أعرفها، وسألت كل طبيب، لكن الإجابة واحدة: الدواء غير متوفر،" تضيف: "أشعر بالعجز التام. أرى النور ينسحب من عيني، ولا أستطيع أن أفعل شيئاً. هذا الحصار لا يقتلنا بالصواريخ فقط، بل يقتلنا بحرماننا من أبسط مقومات الحياة".
أطفال العزيزي وهم صغار، يحاولون مساعدتها، لكنهم لا يفهمون حجم معاناتها "أمي، هل ستعودين تريننا بوضوح؟" يسأل ابنها الصغير، فيرد قلبها بالألم "كيف أجيبهم؟ أنا نفسي لا أعرف. كل يوم يمر، أشعر أنني أخطو خطوة نحو الظلام الدائم. ألا يوجد أحد يسمع صرخاتنا؟ ألا يوجد أحد يرى معاناتنا؟".
زوجها، أبو محمد، يعمل جاهداً لتوفير لقمة العيش، لكنه يشعر باليأس أمام عجز توفير الدواء لزوجته "أرى زوجتي تتألم، ولا أستطيع أن أقدم لها العلاج،" يقول أبو محمد بحسرة، قبل أن يضيف: "أبحث في كل مكان، أطرق كل باب، لكن الأبواب كلها مغلقة. هذا الوضع يكسر الروح قبل الجسد. إنها جريمة أن يُحرم إنسان من حقه في العلاج، وأن يُترك ليعاني بصمت".
"أنا لا أطلب سوى قطرة دواء،" تختتم العزيزي حديثها، وعيناها تفيضان بالدموع: "قطرة واحدة قد تعيد لي بصيص الأمل، قد تبقيني أرى وجوه أحبائي. هل هذا كثير على إنسان يعيش تحت الحصار؟ هل هذا كثير على أم تريد أن ترى أبناءها يكبرون؟".
كارثة صحية غير مسبوقة
ويقول مدير وحدة المعلومات الصحية بوزارة الصحة في غزة، زاهر الوحيدي، لصحيفة "فلسطين" إن القطاع يعيش "كارثة إنسانية غير مسبوقة".
وأوضح الوحيدي أن "47% من قائمة الأدوية الأساسية في مخزون الوزارة رصيدها صفر"، مشيراً إلى أن هذا النقص الحاد يهدد حياة آلاف المرضى، بمن فيهم مرضى الأمراض المزمنة والأطفال الذين يحتاجون إلى مكملات غذائية.
وأضاف الوحيدي أن "الوضع تفاقم بشكل كبير بعد السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث لم يدخل أي جهاز طبي جديد إلى غزة"، مؤكداً أن "القطاع لا يتوفر فيه أي جهاز رنين مغناطيسي ولا أجهزة أشعة مقطعية"، مما يعيق تشخيص وعلاج العديد من الحالات الحرجة.
كما حذر من أن النقص لا يقتصر على الدواء واللوازم الطبية، بل يشمل الوقود أيضاً، ويقول: "ما يصلنا من دواء ومستلزمات طبية لا يغطي أكثر من 48 ساعة فقط، ما يهدد بتوقف المستشفيات عن العمل نهائياً،" وهو ما يعني حكماً بالإعدام على مئات المرضى الذين يعتمدون على الأجهزة الطبية للبقاء على قيد الحياة.
وختم الوحيدي تصريحاته بالقول إن "ما يجري في غزة ليس مجرد أزمة إنسانية عابرة، بل حرب تجويع ممنهجة تستهدف السكان وتدفعهم نحو الموت البطيء"، داعياً المجتمع الدولي إلى التحرك الفوري لإنقاذ القطاع الصحي في غزة قبل فوات الأوان.