قائمة الموقع

ملادينوف.. حين يتحول الوسيط إلى غطاء سياسي للاحتلال

2026-08-05T11:07:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

لم يعد نيكولاي ملادينوف، في نظر كثير من الفلسطينيين، مجرد وسيط دولي أو مبعوث يسعى إلى تقريب وجهات النظر، بل أصبح رمزًا لسياسة دولية تمنح الاحتلال غطاءً سياسيًا ودبلوماسيًا لمواصلة حربه على قطاع غزة. فالمعيار الحقيقي لنجاح أي وسيط لا يقاس بعدد بياناته ولا بكثرة لقاءاته، وإنما بقدرته على الانحياز للقانون الدولي، والتمييز بين المعتدي والضحية، وعدم تحويل الحياد إلى ستار لإخفاء الجريمة.

البيان الأخير الذي أصدره ملادينوف جاء في وقت كانت طائرات الاحتلال تواصل قصف المنازل وخيام النازحين، وتقتل الأطفال والنساء، وتدمر ما تبقى من مقومات الحياة في قطاع غزة. وبالرغم من هذا المشهد الدموي، اختار أن يعيد إنتاج الخطاب ذاته، داعيًا “الطرفين” إلى ضبط النفس وخفض التصعيد، وكأن الحرب تدور بين قوتين متكافئتين، لا بين قوة احتلال تمتلك واحدة من أقوى الآلات العسكرية في العالم، وشعب أعزل يعيش تحت الاحتلال والحصار.

هذه اللغة ليست حيادًا، بل انحيازا سياسيا مقنعا. 

فالحياد لا يكون بإلغاء الفارق بين القاتل والضحية، ولا بإخفاء المسؤولية القانونية عن القوة القائمة بالاحتلال. 

والذي يساوي بين الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال، فإنه يشارك – سياسيًا وأخلاقيًا – في تشويه الحقيقة، ويمنح المعتدي مساحة إضافية للإفلات من المساءلة.

والأخطر أن بيان ملادينوف لم يكن استثناءً، بل امتدادًا لسلسلة من التصريحات التي تجنبت تحميل الاحتلال مسؤولية جرائمه، بالرغم من أن الوقائع اليومية تتحدث عن نفسها. آلاف الشهداء، وعشرات الآلاف من الجرحى، ومدن مدمرة، وتجويع ممنهج، واستهداف للمستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء، ومع ذلك يصر على خطاب يذيب المسؤولية في عبارات فضفاضة من قبيل “جميع الأطراف” و”خفض التصعيد”.

هذا النهج يطرح سؤالًا مشروعًا: كيف يمكن لوسيط أن ينجح إذا كان عاجزًا عن تسمية الجريمة باسمها؟ وكيف يمكن للضحايا أن يثقوا بمن يساوي بينهم وبين من يقصفهم ويقتل أبناءهم؟

إن الوساطة الحقيقية لا تعني إرضاء الأقوى، ولا البحث عن صيغ لغوية مريحة للاحتلال، وإنما تبدأ بالاعتراف بالحقيقة، واحترام القانون الدولي، وإدانة الانتهاكات أياً كان مرتكبها. 

أما حين تصبح البيانات مجرد غطاء سياسي يخفف الضغط عن الاحتلال، فإنها تتحول من أدوات للسلام إلى أدوات لإطالة أمد الحرب.

لقد أصبح واضحًا أن جزءًا من الأزمة الدولية لا يكمن فقط في عجز المؤسسات عن وقف العدوان، بل أيضًا في الخطاب الذي تنتجه بعض الشخصيات الدولية، والذي يسهم في إعادة صياغة الرواية بما يخدم الاحتلال، ويحوّل الضحية إلى طرف في “نزاع”، بدل أن تكون شعبًا يخضع لاحتلال عسكري مستمر.

الشعب الفلسطيني لا ينتظر من ملادينوف بيانات متوازنة شكليًا ومنحازة مضمونًا، بل ينتظر موقفًا يحترم الحقيقة. 
فالقانون الدولي لا يعرف مساواة بين المحتل ومن يقاوم الاحتلال، ولا بين من يقصف المدنيين ومن يُقتل تحت الأنقاض.

وعندما يعجز الوسيط عن قول الحقيقة، أو يختار أن يتجاهلها، فإنه يفقد صفته الأخلاقية قبل السياسية. 
وعندها، لن يُنظر إليه كصانع سلام، بل كجزء من منظومة تمنح الاحتلال الوقت والغطاء لمواصلة جرائمه، مهما اختلفت العناوين والمسميات.

اخبار ذات صلة