لم تكن صفارات سيارات الدفاع المدني في غزة مجرد أصوات تخترق ضجيج الحرب، بل كانت إعلانًا بأن هناك من لا يزال يركض في الاتجاه المعاكس للجميع. ففي الوقت الذي كان الناس يبحثون عن ملجأ يحميهم من القصف، كان رجال الدفاع المدني يتجهون إلى قلب النيران، حيث البيوت المنهارة، والحرائق المشتعلة، والأجساد العالقة تحت الركام.
وبين أولئك الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، يقف محمد الحلبي، رجل الدفاع المدني الذي أمضى ثمانية أعوام في هذه المهنة الإنسانية، ليجد نفسه في خضمّ حرب الإبادة أمام أكثر التجارب قسوة.
ومنذ الساعات الأولى للحرب، لم يغادر محمد موقعه رغم القصف المتواصل وشح الإمكانات والاستهداف المباشر لفرق الإنقاذ.
يقول الحلبي لصحيفة "فلسطين" وهو يستعيد أولى الذكريات التي لا تزال تطارده: "منذ بداية الحرب مررت بأول موقف لا يزال عالقًا في ذاكرتي، وصلنا إلى منزل مستهدف في شارع الجلاء بمدينة غزة، وكان يحترق بمن فيه، في حين كانت أصوات الاستغاثة تتعالى من الداخل، بدأنا تشغيل مضخة الإطفاء لإنقاذهم، لكنها تعطلت بالكامل، ولم يكن بالإمكان إصلاحها إلا بعد أيام، حاولنا إنقاذهم بوسائل بدائية، لكن المشهد كان يفوق الوصف، وما زال يرافقني حتى اليوم".
ولم تكن تلك الحادثة سوى بداية لسلسلة طويلة من المواقف التي اختبرت قدرة الإنسان على الاحتمال، ففي إحدى المهمات تلقى الفريق بلاغًا عن وجود طفلة صغيرة لا تزال على قيد الحياة تحت أنقاض منزل في حي النصر، غربي مدينة غزة. أمضى الحلبي وستة من زملائه ساعات طويلة يحاولون الوصول إليها، في حين كانوا يزيحون الركام بأدوات بدائية، مع غياب المعدات الثقيلة.
بدا الحلبي متألمًا وهو يروي المشهد: "بقينا نحاول إنقاذها لأكثر من ست ساعات، كنا نسمع أنها لا تزال على قيد الحياة، وكل صوت يصدر منها كان يعني لنا أملاً جديدًا. فجأة وصلتنا معلومات باقتراب جرافات الاحتلال ومحاصرة المنطقة، فأُجبرنا على الانسحاب حفاظًا على حياة الطاقم، عدت في اليوم التالي وأنا أحمل أملاً صغيرًا، لكنني وجدتها قد فارقت الحياة، كان ذلك من أصعب المواقف التي عشتها".
ولم يكن فقدان المعدات العقبة الوحيدة أمام رجال الدفاع المدني، بل امتدت المعاناة إلى أبسط مقومات البقاء، فالمجاعة التي ضربت القطاع لم تستثنِ رجال الإنقاذ، الذين كانوا يقضون ساعات طويلة بين الركام دون غذاء أو راحة.
يتابع الحلبي: "المجاعة دفعتنا أحيانًا إلى تناول علف الحيوانات حتى نستطيع مواصلة العمل. في كثير من الأيام كنا نكتفي بوجبة واحدة، وأحيانًا لا نجد شيئًا نأكله، ومع ذلك كنا نخرج إلى المهمات مرهقين ومنهكين، وكان أكبر حلم لنا أن نلبي نداءات الاستغاثة، وأن ننجح في إخراج الأحياء من تحت الأنقاض".
ومع اشتداد القصف، أصبحت سيارات الدفاع المدني عاجزة عن الوصول إلى كثير من المنازل المستهدفة، بسبب الطرق المدمرة أو جراء استمرار الغارات.
ويضيف: "في بعض الأحيان لم نكن نستطيع تحريك سيارات الدفاع المدني وسط كثافة الاستهداف، فكنا نقطع المسافات سيرًا على الأقدام. مهماتنا كانت محفوفة بالموت، لكن الناس كانوا يأتون إلينا مشيًا وهم يستغيثون: (أمانة تعالوا معنا)، فنذهب معهم دون وسيلة نقل، ودون معدات كافية، فقط لأن هناك من ينتظر فرصة للحياة".
ولم ينجُ محمد وزملاؤه من دائرة الخطر، إذ تعرضت طواقم الدفاع المدني للاستهداف أكثر من مرة أثناء أداء واجبها الإنساني، فأصيب هو وعدد من زملائه، في حين ارتقى آخرون وهم يحاولون إنقاذ المدنيين.
وبالرغم من الخسائر، بقيت لحظات النجاح عند انتشالهم ناجيا من تحت الركام قادرة على منحهم طاقة جديدة للاستمرار.
يقول الحلبي بابتسامة تخفي الكثير من التعب: "عندما كنا ننقذ إنسانا، كنت أشعر وكأنني أملك الكون كله، كنا نعمل أحيانًا عشر ساعات متواصلة بأيدينا، مستخدمين الشاكوش والإزميل الحديدي فقط، لأن المعدات اللازمة لم تكن متوفرة، وبعد انتهاء المهمة، كنا نحتفل معًا، ليس لأن الحرب انتهت، بل حتى نرفع معنوياتنا ونستعيد قدرتنا على مواصلة الطريق".
وعلى الرغم من محاولات عائلته المتكررة لإبعاده عن هذا العمل خوفًا على حياته، رفض الحلبي أن يترك موقعه.
ويكمل: "عائلتي كانت ترجوني أن أتوقف عن العمل، لكنني لم أستطع أن أتخلى عن واجبي، كنت أشعر أن كل دقيقة أتأخر فيها قد تعني فقدان حياة إنسان ينتظر من ينقذه".
ومع أن الحلبي قضى ثمانية أعوام من عمره وهو يلبي نداءات الاستغاثة ضمن فرق الدفاع المدني، فإن حرب الإبادة تركت فيه جراحًا لا ترى بالعين، فبعد شهور طويلة من العمل المتواصل، لا تزال آثارها تطارده.
يتابع حديثه: "أيام الحرب كانت الأصعب في حياتي، حتى الآن أعاني نفسيًا وجسديًا، ولا أستطيع النوم ليلًا بسبب كثرة المشاهد التي رأيتها".
وختم قائلاً: "أصعب ما يمكن أن يمر به رجل إنقاذ هو أن يرى مصابًا تحت يده، ويعرف أنه يستطيع إنقاذه لو توفرت الإمكانات، لكنه يقف عاجزًا، كنا نعمل أربعًا وعشرين ساعة متواصلة، ثم نحصل على ساعة أو ساعتين فقط من الراحة، ومع قلة الطعام والنزوح المستمر لم يكن لدينا وقت للاستقرار، لكن ما كان يخفف عنا هو روح الألفة والتعاون التي جمعتنا، وإيماننا بأن إنقاذ حياة واحدة يستحق كل هذا العناء".