قائمة الموقع

المقاطعة الاقتصادية للاحتلال.. سلاح يتصاعد في أوروبا ويثير مخاوف إسرائيلية

2026-08-05T09:07:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

تتجه المقاطعة الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي إلى مرحلة جديدة أكثر صرامة، مدفوعة بقرارات أوروبية متلاحقة تستهدف تقليص التعامل مع منتجات المستوطنات، في تحول يعكس تغيرًا سياسيًا واقتصاديًا متزايدًا داخل القارة.

وأعلنت هولندا مؤخرًا حظر استيراد وشراء وبيع المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ في 22 سبتمبر/أيلول 2026، في إطار التزامها بعدم الإسهام في أنشطة تعتبر مخالفة للقانون الدولي.

وتأتي هذه الخطوة ضمن توجه أوروبي أوسع تقوده دول مثل إسبانيا وأيرلندا وبلجيكا، في وقت يشهد فيه الاتحاد الأوروبي انقسامًا بين دول تدفع نحو فرض قيود اقتصادية، وأخرى تفضل الحفاظ على العلاقات التجارية دون تصعيد.

ويستند الحراك إلى رأي استشاري صادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، عد الاستيطان غير قانوني، ودعا إلى وقف أي تعامل اقتصادي يساهم في استمراره، ما منح حملات المقاطعة غطاءً قانونيًا متزايدًا.

وتشير بيانات رسمية إلى أن إجمالي الصادرات الإسرائيلية بلغ نحو 165 مليار دولار في عام 2024، فيما لا تتجاوز صادرات المستوطنات نسبة 2% إلى 3% من هذا الرقم، أي ما يقدّر بنحو 3 إلى 5 مليارات دولار سنويًا.

ورغم محدودية النسبة، فإن الاتحاد الأوروبي يُعد الشريك التجاري الأكبر لدولة الاحتلال، إذ يستحوذ على نحو 28% إلى 32% من إجمالي تجارتها الخارجية، ما يجعل أي قيود أوروبية ذات تأثير مضاعف على الاقتصاد الإسرائيلي.

كما تُظهر بيانات الاستثمار الأجنبي أن أوروبا تمثل مصدرًا رئيسيًا للاستثمارات في دولة الاحتلال، حيث ساهمت بما يقارب 40% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يعزز حساسية الاقتصاد الإسرائيلي لأي تغير في المزاج الأوروبي.

الأثر التراكمي

ويرى خبراء أن التأثير الحقيقي للمقاطعة لا يقتصر على الخسائر المباشرة، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ"الأثر التراكمي"، حيث قد تدفع المخاطر القانونية والسمعة الشركات الأوروبية إلى تقليص أو إنهاء تعاملاتها مع الشركات الإسرائيلية، خاصة تلك المرتبطة بالمستوطنات.

ويُقدّر اقتصاديون أن اتساع نطاق المقاطعة ليشمل قطاعات التكنولوجيا والزراعة والصناعات الغذائية قد يؤدي إلى تقليص النمو الاقتصادي الإسرائيلي بنسبة تتراوح بين 0.5% إلى 1% سنويًا في حال تبنيها بشكل واسع داخل أوروبا.

كما قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع كلفة الامتثال القانوني على الشركات، وتراجع ثقة المستثمرين، وانخفاض التصنيف الائتماني في حال تصاعد الضغوط الاقتصادية.

يقول الخبير الاقتصادي د. سمير الدقران إن المقاطعة الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الخسائر المباشرة، بل بقدرتها على إحداث "تحول هيكلي" في سلوك الأسواق، موضحًا أن التجارب الدولية تشير إلى أن كل انخفاض بنسبة 1% في الصادرات نحو سوق رئيسي قد يقابله تراجع مضاعف في الاستثمارات المرتبطة بهذا السوق.

ويشير الدقران لصحيفة "فلسطين" إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد بدرجة كبيرة على القطاعات المرتبطة بالتصدير، خاصة التكنولوجيا المتقدمة، التي تمثل نحو 50% من إجمالي الصادرات، ما يجعل أي إشارات سلبية من الأسواق الأوروبية كفيلة بإرباك هذا القطاع الحيوي.

ويضيف أن الشركات الكبرى عادة ما تتجنب المخاطر القانونية والسمعة، حتى لو كانت الخسائر المباشرة محدودة، ما يعزز من تأثير المقاطعة على المدى المتوسط والطويل.

ويؤكد أن "الأثر التراكمي" قد يكون العامل الأكثر خطورة، إذ تبدأ المقاطعة بمنتجات المستوطنات، لكنها قد تمتد تدريجيًا لتشمل شركات إسرائيلية أخرى مرتبطة بسلاسل التوريد أو الاستثمار، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع غير مباشر في حجم التجارة بنسبة قد تصل إلى 5% خلال عدة سنوات في حال اتساع نطاق الإجراءات الأوروبية.

عناصر النجاح

من جهته، يوضح الاختصاصي الاقتصادي د. هيثم دراغمة أن نجاح المقاطعة يرتبط بثلاثة عناصر رئيسية: الاستمرارية، والتنسيق الدولي، واتساع النطاق القطاعي.

ويبين أن التجارب السابقة، مثل العقوبات الاقتصادية على دول أخرى، أظهرت أن الإجراءات الجزئية تحقق تأثيرًا محدودًا، بينما تؤدي المقاطعة المنسقة إلى نتائج ملموسة خلال فترة تتراوح بين 3 إلى 7 سنوات.

ويضيف دراغمة أن التأثير لا يقتصر على التجارة، بل يمتد إلى بيئة الاستثمار، حيث قد ترتفع "علاوة المخاطر" على الاقتصاد الإسرائيلي، ما يؤدي إلى زيادة تكلفة الاقتراض وانخفاض جاذبية السوق للمستثمرين الأجانب. ويقدّر أن ارتفاع هذه العلاوة بنسبة 1% فقط قد يكلف الاقتصاد مئات الملايين من الدولارات سنويًا.

كما يشير إلى أن الشركات الأوروبية، خاصة متعددة الجنسيات، تعتمد على معايير الامتثال البيئي والقانوني (ESG)، ما يجعلها أكثر حساسية لأي ارتباط بأنشطة مثيرة للجدل قانونيًا، مثل الاستيطان. وبالتالي، فإن المقاطعة قد تدفع الشركات إلى إعادة تقييم علاقاتها التجارية، ليس فقط بدافع سياسي، بل أيضًا لحماية مصالحها التجارية.

ويرى دراغمة أن الجمع بين المقاطعة الاقتصادية والضغط السياسي والإعلامي يمكن أن يخلق ما يُعرف بـ"بيئة ضغط متعددة المستويات"، حيث تتفاعل الحكومات والشركات والرأي العام في اتجاه واحد، ما يزيد من فرص إحداث تغيير في السياسات.

ويحذر في الوقت ذاته من أن غياب التنسيق الدولي الكامل قد يحد من فاعلية المقاطعة، إذ قد تلجأ الشركات إلى تحويل مساراتها التجارية نحو أسواق بديلة في آسيا أو أمريكا اللاتينية، ما يقلل من حجم التأثير الأوروبي.

أما من زاوية الاقتصاد الكلي، فيؤكد خبراء أن أي تراجع مستمر في الصادرات والاستثمارات قد ينعكس على مؤشرات النمو والتوظيف، حيث يمكن أن يؤدي انخفاض النشاط في القطاعات التصديرية إلى تقليص فرص العمل، خاصة في الصناعات المرتبطة بالتصدير.

وفي المجمل، يتفق الخبراء على أن المقاطعة الاقتصادية، إذا استمرت واتسعت، قد لا تُحدث صدمة فورية، لكنها تملك القدرة على إحداث تغييرات تدريجية وعميقة في بنية الاقتصاد، وهو ما يجعلها أداة ضغط فعالة على المدى الطويل.

اخبار ذات صلة