فلسطين أون لاين

الحرب تجعل البحر مصبًا للصرف الصحي.. كارثة جديدة تطارد سكان غزة

...
تدفق مياه الصرف الصحي إلى البحر بعد تدمير الاحتلال البنية التحتية في غزة.
غزة/ أدهم الشريف:

لم يعد شاطئ بحر غزة متنفسًا آمنًا لسكان القطاع، بعدما تحولت أجزاء منه إلى مصب مفتوح لمياه الصرف الصحي، نتيجة تدمير البنية التحتية وتعطل محطات المعالجة بفعل الحرب والحصار الإسرائيلي المستمر، في مشهد يثير مخاوف متزايدة من كارثة صحية وبيئية تهدد البحر واليابسة معًا.

ومع استمرار تدفق آلاف الأمتار المكعبة من مياه الصرف الصحي مباشرة إلى البحر يوميًا، يراقب السكان المشهد بعجز، في حين تنتشر الروائح الكريهة على امتداد الساحل، وتتغير ملامح المياه التي طالما شكلت ملاذًا أخيرًا لسكان القطاع المحاصر.

في مخيم الشاطئ المطل على ساحل غرب مدينة غزة، يقول المواطن أسعد النجار: إن البحر لم يعد كما عرفناه قبل الحرب.

ويضيف لصحيفة "فلسطين": "أصبحنا نستيقظ على رائحة الصرف الصحي بدلاً من نسيم البحر. لم نعد نسمح للأطفال بالاقتراب من المياه، وحتى الجلوس أمام البحر أصبح صعبًا بسبب الروائح وانتشار الحشرات".

ويشير إلى أن السكان يدركون أن الأزمة ليست جديدة، لكنها تفاقمت بصورة غير مسبوقة منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، حيث توقف محطات المعالجة وتعرضت شبكات الصرف الصحي ومحطات الضخ لأضرار جسيمة.

ويؤكد أن الجميع يخشى أن تتحول هذه المياه الملوثة إلى مصدر دائم للأمراض، خصوصًا مع وجود آلاف العائلات التي تعيش على مقربة من الساحل.

ولا تقتصر الأزمة على سكان الأحياء الساحلية، بل تمتد إلى آلاف النازحين الذين دفعتهم الحرب إلى نصب خيامهم على شاطئ البحر، بعدما فقدوا منازلهم تحت القصف.

ومن بين هؤلاء، أحمد صيام الذي لم يجد مكانًا يؤوي فيه عائلته سوى خيمة ثبتها على رمال الشاطئ غرب مدينة غزة، بعد أن دمر جيش الاحتلال منزله.

قال صيام لـ"فلسطين" وهو ينظر نحو البحر: "هربنا من القصف إلى البحر، لكن البحر نفسه أصبح ملوثًا. نشاهد مياه الصرف الصحي وهي تصب أمامنا كل يوم، ولا نستطيع فعل شيء".

ويضيف، أن الأطفال يلعبون على الشاطئ رغم المخاطر، لعدم وجود أي مساحة أخرى، بينما تخشى العائلات من انتشار الأمراض الجلدية والمعوية، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة وضعف الخدمات الصحية.

وتابع: "نعيش بين خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وبحر ملوث، ولا نملك خيارًا آخر، والآن كل ما نتمناه أن تتوقف هذه الكارثة".

f996e98c-0c90-4784-b4e8-919ca85a9c78.jfif
 

ويعكس هذا الواقع حجم التحديات التي تواجه قطاع خدمات المياه والصرف الصحي في غزة، بعدما تعرضت مرافقه لأضرار واسعة خلال الحرب، شملت محطات المعالجة، ومحطات الضخ، وشبكات الكهرباء التي تعتمد عليها هذه المنشآت في تشغيلها.

ويشكّل استمرار الحرب وتدمير البنية التحتية لقطاع الصرف الصحي واقعًا بيئيًا وصحيًا بالغ الخطورة، إذ تُصرّف كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة مباشرة إلى البحر، في ظل توقف محطة المعالجة المركزية عن العمل، وفق ما أكده المتحدث باسم بلدية غزة حسني مهنا.

وأوضح مهنا لـ"فلسطين"، أن مدينة غزة تضم حاليًا خمس مصبات رئيسية مطلة على البحر، تستقبل المياه القادمة من شبكات تصريف مياه الأمطار والصرف الصحي، مبينًا أن نحو 24 ألف متر مكعب من مياه الصرف الصحي والمياه العادمة تصرف يوميًا إلى بحر المدينة، عبر المصبات المختلفة دون أي معالجة بفعل توقف محطة المعالجة المركزية.

وبيّن أن غزة تضم محطة مركزية واحدة لمعالجة مياه الصرف الصحي، تقع في منطقة الشيخ عجلين جنوب غربي المدينة، لافتًا إلى أن الجهات المختصة تنفذ أعمال صيانة وتأهيل لها، لكنها لم تستأنف استقبال ومعالجة مياه الصرف الصحي، ما يعني عدم وجود قدرة تشغيلية فعلية لمعالجة المياه قبل تصريفها إلى البحر.

وأضاف، أن هذا الواقع يفرض تحديًا بيئيًا وصحيًا بالغ الخطورة، في ظل الأضرار الواسعة التي لحقت بشبكات ومحطات الصرف الصحي خلال الحرب، محذرًا من أن استمرار تدفق المياه العادمة غير المعالجة إلى البحر يشكل خطرًا بيئيًا وصحيًا كبيرًا.

وتابع: إن "هذه الكميات الكبيرة تمثل ضغطًا متزايدًا على البيئة البحرية، وتفاقم تلوث مياه البحر والشاطئ، خاصة مع الإقبال الكبير للمواطنين على الساحل خلال فصل الصيف".

وحول حجم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية، أوضح مهنا أن الحرب تسببت في تدمير واسع لشبكات الصرف الصحي، شمل نحو 220 ألف متر طولي من الشبكات، إلى جانب تضرر ثماني محطات ضخ بصورة كلية أو جزئية، إضافة إلى الأضرار التي أصابت محطة المعالجة المركزية، ما أدى إلى تعطّل أجزاء كبيرة من منظومة الصرف الصحي.

ونبَّه المتحدث باسم بلدية غزة، إلى أن نقص الوقود وقطع الغيار والمعدات اللازمة زاد من صعوبة تشغيل ما تبقى من المرافق وتنفيذ أعمال الصيانة والإصلاح، في وقت تعمل فيه البلدية ضمن ظروف استثنائية وإمكانات محدودة للغاية.

وحذر مهنا من أن انهيار منظومة الصرف الصحي، يؤدي حتمًا إلى انتشار المكاره الصحية، وتلوث البيئة، واحتمالية تسرب المياه العادمة إلى الخزان الجوفي، وانتشار البعوض والحشرات والقوارض.

1c80e3b9-9e4a-4331-bc23-5fac29a2e457.jfif