قائمة الموقع

"الكاش" العالق في الجيوب.. حين يعجز النقد عن شراء الاحتياجات بغزة

2026-08-03T10:29:00+03:00
تراجع التعامل بالعملة الورقية في غزة وتوجه متزايد نحو الدفع الإلكتروني (أرشيف)
فلسطين أون لاين

لم تعد معاناة أهالي قطاع غزة تقتصر على ارتفاع الأسعار أو صعوبة توفير الاحتياجات الأساسية، بل امتدت إلى آلية دفع ثمن تلك الاحتياجات نفسها. ففي الأسواق، يقف مواطنون يحملون أوراقاً نقدية سليمة في أيديهم، لكنهم يواجهون أحياناً برفض قبولها، في حين تتحول عملية البحث عن بائع يقبل الدفع النقدي إلى رحلة إضافية تسبق شراء أبسط الاحتياجات.

ومع تزايد الاعتماد على تطبيقات الدفع الإلكتروني في المعاملات اليومية، يجد كثير من المواطنين، خصوصاً ممن يتقاضون أجرتهم بالعملة الورقية أو لا يمتلكون هواتف ذكية، أنفسهم أمام واقع جديد يفرض عليهم البحث عن بدائل، وسط نقص واضح في العملات المعدنية الصغيرة "الفكة"، وصعوبة توفير الباقي للزبائن.

في المقابل، يرى تجار أن الانتقال إلى الدفع الإلكتروني سهّل جزءاً من عمليات البيع والشراء، خاصة في ظل أزمة نقص الفئات الصغيرة، لكنه في الوقت ذاته سبب تحديات جديدة أمام فئات من المواطنين لا تملك القدرة على استخدام هذه الوسائل.

نقد بلا قبول

تقول ماجدة سرور، موظفة في إحدى الشركات الخاصة، إنها تتقاضى راتبها بالعملة الورقية، لكنها تواجه صعوبة متزايدة في تصريفه خلال عمليات الشراء اليومية.

وتوضح لصحيفة "فلسطين" أنها باتت تصطدم بعبارات من بعض التجار مثل: "بنبيعك إذا اشتريتي بمئة شيكل كاملة"، مشيرة إلى أنها تضطر بعد بحث طويل إلى محاولة العثور على من يقبل الدفع النقدي.

وتضيف أن بعض التجار يرفضون استلام النقود الورقية ثم إعادة المبلغ المتبقي عبر تطبيقات الدفع الإلكتروني، وعندما تعرض عليهم أن يأخذوا المبلغ نقداً ويعيدوا الباقي إلكترونياً، يرفضون ذلك، ما يجعل عملية الشراء أكثر تعقيداً بالنسبة لها.

وتشير إلى أن المشكلة لا ترتبط فقط بكون العملة قديمة أو مهترئة، بل إن بعض التجار يرفضون حتى العملات الجديدة، مفضلين التعامل الإلكتروني بشكل كامل.

خارج دائرة الدفع

أما الحاجة فيروز إسليم (72 عاماً)، فتجد نفسها أمام تحدٍ أكبر، فهي لا تمتلك هاتفاً محمولاً ولا تعرف كيفية استخدام تطبيقات الدفع الإلكتروني.

وتقول لصحيفة "فلسطين" إنها تحتاج إلى توفير العملات الصغيرة معها حتى تتمكن من دفع أجرة المركبات أثناء تنقلها بين المنطقة الوسطى ومدينة غزة، حيث تزور أبناء إخوتها بعد انتقالها بين أكثر من مكان.

وتضيف: "لا أعرف ما هو التطبيق البنكي، وعندما أذهب لشراء الفاكهة أو بعض الخضار يرفضون أخذ العملات الورقية مني، وأحياناً لا أستطيع شراء ما أريد بسبب رفض الباعة التعامل بالنقد".

وتوضح أن اعتماد كثير من التجار على الدفع الإلكتروني جعل كبار السن ومن لا يمتلكون وسائل إلكترونية يشعرون بأنهم خارج دائرة التعامل الطبيعي في الأسواق.

التاجر بين التطبيق والفكة

في منطقة السرايا وسط مدينة غزة، يبيع محمود عجور المشروبات الغازية والعصائر المصنعة على بسطة صغيرة، ويرى أن التحول إلى الدفع الإلكتروني جاء نتيجة سهولة التعامل بينه وبين الزبائن، وكذلك مع تجار الجملة.

ويقول لصحيفة "فلسطين" إن الدفع الإلكتروني يخفف مشكلة نقص الفكة، إذ لم يعد مضطراً إلى البحث عن عملات معدنية صغيرة لإعادة الباقي للزبائن.

لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن غياب العملات الصغيرة أصبح عائقاً أمام التعامل النقدي، موضحاً أن بعض الزبائن لا يرغبون في استلام عملات ورقية مهترئة كباقٍ، بينما يجد التاجر نفسه غير قادر دائماً على توفير البديل.

ويضيف أن المحافظ الإلكترونية والتطبيقات المالية ليست مفتوحة بلا حدود، إذ توجد سقوف محددة لحجم التعاملات وعدد الحركات اليومية والشهرية، وهو ما يحد أحياناً من قدرة التاجر على تحويل المبالغ المتبقية إلكترونياً للزبائن.

أزمة سيولة

ويرى المختص الاقتصادي أحمد أبو قمر أن تراجع التعامل بالعملة الورقية في غزة والتوجه المتزايد نحو الدفع الإلكتروني يعكسان تحولات اقتصادية عميقة فرضتها الظروف الحالية، موضحاً أن المشكلة لا تقتصر على سلوك المواطنين أو التجار، بل ترتبط بأزمة أوسع في الدورة النقدية داخل القطاع.

ويقول أبو قمر لـ"فلسطين" إن امتناع بعض التجار عن التعامل بالعملة الورقية يأتي ضمن حالة متزايدة من فقدان الثقة بالنقد، بحيث أصبح المواطن يواجه صعوبة في استخدام أمواله حتى عندما تكون العملات جديدة وغير مهترئة، بسبب شروط بعض التجار أو تفضيلهم الدفع الإلكتروني.

ويضيف أن غياب الفكة أدى إلى تعقيد المشكلة، إذ أصبح المواطن في كثير من الأحيان مضطراً إلى شراء حاجات لا يرغب بها حتى يتمكن من دفع المبلغ كاملاً، بسبب عدم قدرة التاجر على إعادة المبلغ المتبقي.

ويشير إلى أن جزءاً كبيراً من الأموال النقدية الموجودة لدى المواطنين والتجار بات بمثابة "شيك خامل"، بسبب صعوبة تصريفه أو إدخاله في دورة التداول الطبيعية، لافتاً إلى أن ذلك يشمل بعض الفئات النقدية القديمة والمهترئة والعملات المعدنية الصغيرة.

ويحذر أبو قمر من أن تجميد هذه الكتلة النقدية يؤدي إلى تقليص السيولة المتاحة في الأسواق وزيادة حالة الركود، خصوصاً مع استمرار أزمات أخرى مرتبطة بالحركة المصرفية وتجميد جزء من الحسابات البنكية، ما يفاقم التدهور الاقتصادي.

تحول طويل

ويتابع أبو قمر أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بظرف اقتصادي استثنائي، بل أصبحت تحولاً في نمط التعاملات المالية داخل غزة، مع تزايد الاعتماد على الدفع الإلكتروني وصعوبة عودة التعامل بالكاش إلى وضعه السابق حتى بعد انتهاء الحرب، ما لم تُعالج الأسباب التي أدت إلى هذا الواقع.

ويؤكد أن استمرار هذا الوضع يعكس حالة عدم استقرار في النظام المالي، مشيراً إلى أهمية عودة الدور التنظيمي للجهات الرسمية، وفي مقدمتها سلطة النقد، باعتبارها الجهة المخولة بتنظيم العلاقة المصرفية بين البنوك والتجار والمواطنين.

ويقول إن غياب الدور الفاعل للجهات الرسمية في معالجة الأزمات المصرفية منذ بداية الحرب أدى إلى تفاقم المشكلة، موضحاً أن تنظيم التعاملات النقدية والإلكترونية يحتاج إلى جهة قادرة على إعادة الثقة بالأموال المتداولة وضبط العلاقة بين مختلف الأطراف.

ويرى أبو قمر أن استمرار الانتقال نحو الدفع الإلكتروني دون معالجة مشكلة النقد الورقي والفكة قد يؤدي إلى تعميق الفجوة بين المواطنين، خصوصاً بين من يمتلكون أدوات الدفع الحديثة ومن يعتمدون على السيولة النقدية في حياتهم اليومية.

وبينما يرى بعض التجار أن الدفع الإلكتروني يوفر سرعة وسهولة في المعاملات، يشعر كثير من المواطنين بأن التحول إليه دون توفير بدائل مناسبة خلق عبئاً إضافياً عليهم.

ففي أسواق غزة اليوم، لم تعد قيمة المال وحدها هي السؤال، بل أصبح السؤال الأهم: هل سيقبله الطرف الآخر؟ وهل يمكن تحويله إلى احتياجات يومية دون رحلة بحث إضافية عن تاجر يقبل "الكاش" أو عن فكة تعيد التوازن إلى عملية الشراء؟.

وتجسد أزمة السيولة في غزة أحد أوجه الحصار والحرب على غزة، مع منع الاحتلال إدخال الأوراق النقدية الجديدة، ومواصلته سياسة الخنق الاقتصادي في القطاع.

اخبار ذات صلة